السبت، 29 أبريل 2017

board

زلزال المصير والمسير يضرب فرقاء الحركة الشعبية

أظهر عبد العزيز الحلو نائب رئيس الحركة الشعبية – قطاع الشمال – في حيثيات خطاب استقالته من قيادة الحركة، أنه أكثر تشدداً من مالك عقار رئيس الحركة وياسر عرمان أمينها العام في المفاوضات مع الحكومة السودانية،

لاستدرار عطف أبناء جبال النوبة الذين يشكلون العمود الفقري للجيش الشعبي التابع للحركة الشعبية. ولم يخف الحلو تذمره من أسلوب عقار وعرمان في اتخاذ قراراتٍ مهمة بعيدة عنه، وأبعاده كليةً من ملف المفاوضات، إلا من خلال حضور تشريفي أو تنوير سطحي بالنسبة له، عن مجمل ما يجري في قاعات المفاوضات في أديس أبابا عبر الألية الأفريقية للمفاوضات برئاسة الرئيس الجنوب أفريقي السابق ثامبو أمبيكي. وأكد الحلو في ثنايا خطاب استقالته التباين الكبير في الرؤى بينه وبين كل من مالك عقار رئيس الحركة، وياسر عرمان الأمين العام للحركة، فضلاً عن جملة اتهامات للرجلين بإضاعة الثورة وتقديم تنازلات على طاولات التفاوض المختلفة مع الحكومة السودانية دون مقابل. كل ذلك في محاولة لإدعاء أنه مهمش من قبل قيادة الحركة، على الرغم من أنه يمثل كتلة جبال النوبة التي هي عظم وينام الجيش الشعبي، وآليته العسكرية التي يشكل من خلالها مضاغطة سياسية وعسكرية في طاولة المفاوضات.
ولم يتوان الحلو في تعديد أسباب ومسببات استقالته التي زلزلت أركان الحركة الشعبية في توقيت إعلانها، وظرف حدوثها مع مضاغطاتٍ تواجهها الحركة من الولايات المتحدة الأميركية وبعض الدول الأوروبية، لإحداث قدرٍ من تليين مواقفها، بشئٍ من الترغيب والترهيب، وبكثير وعدٍ ووعيدٍ. وفِي المقابل تشهد الحكومة السودانية انفراجات في علائقها مع الولايات المتحدة الأميركية والعديد من دول العالم. وتبدو للكثيرين منذ انعقاد الحوار الوطني قبل ثلاث سنوات، والتأكيد على إنفاذها لمُخرجات ذاكم الحوار الوطني، أكثر جدية في البحث عن السلام والاستقرار.
وفِي رأيي الخاص، كشفت استقالة عبد العزيز الحلو أن قيادة الحركة الشعبية، قيادة غير موحدة، وأن صراعاتٍ عنيفةٍ كانت تمور بداخلها. فبقراءة عميقة لحيثيات استقالة الحلو، نلحظ أنه أوضح جلياً أنه لا يستطيع العمل مع رئيس الحركة وأمينها العام كفريق واحد، بسبب انعدام المصداقية وتآكل عنصر الثقة فيما بينهما بفعل الغموض الذي يكتنف بعض التصرفات وعدم فهمه لدوافعه في الكثير من الأمور. فهذا يؤكد بالدليل القاطع أن تآكل هذه الثقة لم يبدأ لحظة تقديم الاستقالة، بل كان بمثابة عملية تراكمية أفضت إلى ما أفضت إليه. واعتبر الحلو في خطاب استقالته أن أبناء النوبة لم يتفقوا على تمثيله لهم بسبب عدم انتمائه الإثني لأبناء النوبة، الأمر الذي كان له دوره في تجاوز آرائه من قبل رئيس الحركة والأمين العام وتمرير قرارات وصفها بالمصيرية والخطيرة مثل اتفاق نافع /عقار 2011، بالإضافة إلى طرح مطلب الحكم الذاتي في 2015، بحُجية أن الحلو لم يكن نوباوياً أصيلاً، إذ أنه ينحدر من دار فور من جهة أبيه، مما جعل القيادة تتخطاه في تمثيل النوبة عسكرية وسياسياً. وقطع الحلو بأنه بسبب عدم تمثيله للنوبة إثنياً أسهم في تعدد الأجسام المتحدثة باسمهم سياسياً وعسكرياً، الأمر الذي أضعف الحركة وطور من معارضتها.
واعترض الحلو على التنازلات في ملف الترتيبات الأمنية في أغسطس 2016، باعتبار أنها غير مبررة بالنسبة له، إذ أنه يريد إحداث نيفاشا جديدة في الترتيبات الأمنية، ولكن عقار وعرمان يدركان أن السماء أقرب إليها من الحصول على ذاكم المطلب من الحكومة السودانية، فقدم تلكم التنازلات. وتبرأ عبد العزيز الحلو نائب رئيس الحركة في استقالته من العديد من المواقف التي لم يكن له يد فيها، وحدد أبرزها في إعلان المبادئ 1998، وكذلك في اتفاق مشاكوس 2002، باعتباره الإعلان الذي لم ينصح على حق تقرير المصير لأبناء النوبة.. وأعتبر الحلو أن اتهامه بالتسبب في حرب 6 يونيو 2011، بالمنطقة أمر مغلوط لجهة أن موقفه كان لصالح احتفاظ الجيش الشعبي بسلاحه لا تسليمه.  وأكد الرجل أنه يتقدم باستقالته لأنه ارتكب كشخص و كبشر لأخطاء قيادية و إدارية بسبب طول المدة التى قضاها في القيادة بجبال النوبة من حاكم قبل اتفاقية السلام إلى نائب والٍ في 2009  بعد الاتفاقية،  وحاكم و رئيس أركان ونائب رئيس بعد الحرب الثانية، وأن تلك الفترة قللت من أهليته لقيادة العمل، وأنه وبناء على كل تلك الأسباب يتقدم باستقالته.
أخلص إلى أن، استقالة الحلو هي زلزال له ما بعده في مصير الحركة الشعبية ومسيرها. وأن مستقبلها سيكون رهين تداعيات استقالة الحلو. كما أن هذه الاستقالة جعلت مصير ومستقبل مفاوضات الحركة الشعبية مع الحكومة السودانية في عالم المجهول، وأحدثت زلزالاً ضرب كل أركان الحركة الشعبية، وما زالت تداعياته تترى على الحركة، بدءاً من مطالبة الآلية الأفريقية بتأجيل موعد المفاوضات، حتى الحلو مصيره في غياهب المجهول حتى الآن. فالسياسة السودانية حُبلى بالأحداث خلال الفترة المقبلة. ويذهب البعض أن هذه الاستقالة، قد تهدف إلى تجريد الحلو لرفيقيه عقار وعرمان من مكون الجيش الشعبي الحقيقي من أبناء جبال النوبة، ومن ثم السعي للتفاوض مع الحكومة كفاحاً، باعتبارهم أصحاب المصلحة الحقيقية في المنطقة، وفِي السلام والاستقرار.
ولنستذكر في هذا الخصوص، قول الشاعر العربي طرفة بن العبد:
ستُبْدي لكَ الأيامُ ما كنتَ جاهلاً
ويأتيكَ بالأخبارِ من لم تزوِّدِ
 ويأتيكَ بالأنباءِ من لم تَبعْ له
بَتاتاً ولم تَضْربْ له وقتَ مَوْعدِ