السبت، 29 أبريل 2017

board

مأمون في مستشفى الراجحي بين الاستقالة والإشادة

كنتُ وعدد من رسلائي من عُصْبَة كرام الصحافيين في رحلة عمل إلى كل من تركيا وقطر، وفِي ليلة من ليالي مدينة اسطنبول الباردة، خلال شهر أكتوبر الماضي،

طرق أحد الرسلاء باب غرفتي ليلاً، لينبأني أن الأخ الصديق البروفيسور مأمون محمد علي حميدة وزير الصحة بولاية الخرطوم، اعتزم الترجل عن صحوة وزارة الصحة الولائية، بعد أن تكاثرت عليه النصال، بعد شهرين أي في نهاية العام الماضي، حسبما تناقلته بعض الوسائط الصحافية والإعلامية وقتذاك، وتسارعت الكثير من مواقع التواصل الاجتماعي إلى اجترار ذاكم النبأ العظيم، وكأنها أتت بنبأ يقين، وبكثير تعليقاتٍ وتحليلاتٍ، وزادت عليه ما شاءت من زياداتٍ فيها التمني والرجاء للبعض، أكثر من الحقيقة والبيان.  فلما تكاثر على الرسلاء بين شامتٍ ومعزٍ. فأنكرت أن يكون قد صدر عنه ذاكم القول، لمعرفتي به، وعلمي بهمه واهتمامه، المنصب على إكمال الخارطة الصحية لولاية الخرطوم، إذا لم يحل بينه وبين ذاكم المقصد حائل، ولكنه لا يعرف التولي يوم الزحف، لأن ذلك عنده من الكبائر، لأنه يتضمن الإعراض عن المدافعة في سبيل الله، وذلك من خلال مسؤوليته في توفير العلاج للمرضى في الأرياف والأطراف، مثل توفرها في أواسط المدينة، وأحياء الحضر، وأعلم أنه يستمسك في ذلك، بقول الله تعالى:»وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ.»
فلما تكاثروا علي، وحجاجهم أن هذا منقولٌ عنه، وليس مفترىً عليه. ولما عيل صبرهم معي، كما عيل صبر موسى مع الخضر – للمقاربة وليس المقارنة - انبرى كبيرهم الذي أعلمهم الخبر، طالباً مني مراهنتهم. قلتُ لهم لا يجوز الرهان شرعاً عند جمهور الفقهاء. لأن الرهان قمار، ومغالبة لا وجه لها. فتنطع أحدهم، راداً علي بأن المراهنة تجوز شرعاً، وإلا ما كانت في الإسلام سباقات الخيل، فانبريتُ له، كانبراء الأسد على الفريسة، ولا سيما أنه وقع في دائرة اهتمامي، ألا وهي مدارسة الفقه ومراجعته، وقلت له، أعلم – يا هداك الله – إن الرهان ليس بحلال، بل هذا محرم، هذه مراهنة من باب القمار أي من باب الميسر الذي قال الله تعالى فيه:  «إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ»  .والميسر هو القمار، وهو مثلما إن كان كذا فكذا، إن كان البروفيسور مأمون حميدة وعد بالاستقالة خلال شهرين، فلك يا صاح كذا ليرة (العُملة التركية)، وإن لم يحدث فعليك كذا، على حسب ما يختلفان فيه، المقصود مثل هذه المراهنات تعتبر من جملة الميسر من القمار، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم النبي  (لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر)، والسبق العوض، أي لا عوض إلا في نصل أو خف أو حافر، يعني في الرمي وفي المسابقة بالخيل وفي المسابقة بالإبل، لكن المسابقة في العلم ليست من هذا الباب من باب الجعالة، إذا قال:  من تعلم كذا وكذا من القرآن أو من السنة أو من كتاب كذا فله كذا، هذا من باب الجعالة أي الجعلة (الأجرة) ومن باب الأجرة أو أسئلة تلقى في القرآن أو في السنة فإذا أجاب عنها فله كذا، هذا من باب التعليم ومن باب التوجيه إلى الخير ومن باب التشجيع على العلم هذا غير داخل في المحرم؛ لأن هذا من باب التشجيع على العلم والتوجيه إلى الخير، وجعل الجعالة التي تعين على ذلك أو الأجرة التي تعين على ذلك، أما المراهنة فهي المغالبة هذا يقول كذا وهذا يقول كذا.
وبعد أن فارقتُ رسلائي، فرغتُ لنفسي، ومن ثم اتصلت بالأخ البروفيسور مأمون حميدة، مستفسراً عن حديث الاستقالة، فجاءني بالنبأ اليقين، وأجلى لي الموقف جلاءً، لا لَبْس فيه ولا غموض، وكتبتُ في طيات عُجالة «بحصافة» في ذاكم اليوم، من شط البسفور،  تفاصيل قصة الاستقالة التي تفشى أمرها، وعم الوسائط الصحافية والإعلامية التقليدية والحديثة، مثل ما تفشى خبر حبيبة عمر الراحل الحسين الحسن، وعم القرى والحضر.  ولكن مع كل ذاكم التبيان عن عدم حقيقة عزم الأخ البروفيسور مأمون حميدة، التولي يوم الزحف (إكمال الخارطة الصحية لولاية الخرطوم)، عن طريق تلكم الاستقالة المزعومة. ما زال البعض يردد الاستقالة التي لم ولن تكون بمعرفتي لمأمون، والأنكأ من ذلك أن بعضهم يعتبره نكص بوعده، وأخلَّ بعهده، زوراً وبُهتاناً.
كانت هذه التقدمة، من ضرورات الحديث عن إشادة الأخ الرئيس عمر البشير بالأخ البروفيسور مأمون حميدة، خلال فعاليات افتتاح مستشفى محمد بن صالح بن عبد العزيز الراجحي في أمبدة في أم درمان، حيث كشف الأخ الرئيس عمر البشير عن حقيقة يعلمها القليلون، أنه عندما عُرض عليه أمر تسنم وزارة الصحة بولاية الخرطوم، اعتذر اعتذاراً مسبباً للأخ عبد الرحمن أحمد الخضر والي ولاية الخرطوم السابق، مقترحاً عدداً من المرشحين، فكانت المفجأة أن الأخ الرئيس عمر البشير الذي لم يسبق له ان قام بتعيين وزير ولائي، أن قام بتعيين البروفيسور مأمون حميدة، وزيراً للصحة بولاية الخرطوم، استثناءً لقناعته التامة أن مستشفيات ولاية الخرطوم يؤمها المرضى من كل انحاء السودان، وانه الأنسب لهذه المهمة. وكانت دعوته له صريحة بالتقدم إلى الأمام، حيث قال له:  «مأمون أرمي قدام، ولا تسمع لمثبطي الهمة.» ودعمه غير المحدود لإنفاذ الخارطة الصحية لولاية الخرطوم الذي تحقق منها ما يزيد عن 80 في المائة، والمأمول أن تكتمل هذه الخارطة الصحية تماماً بحلول عام  2020م. ولم تكن هذه الإشادة وليدة افتتاح مستشفى الراجحي بأمبدة، فقد كنتُ شاهد عيانٍ مع آخرين، أن الأخ الرئيس عمر البشير بذل مثل هذه الشهادة والاشادة، في افتتاح مستشفى إبراهيم مالك في عام 2012، وفِي المؤتمر العام لحزب المؤتمر الوطني بولاية الخرطوم، حين أطلق عليه اشادةً وتلميحاً، «البلدوزر»، في عام 2014، وأخرى في افتتاح مركز التميز للطوارئ والإصابات في يوم الخميس 25 فبراير 2016، فقال عبارته الشهيرة «حميدة لم يخذلنا، وحقق أهدافنا كاملة.. وهو ما محتاج لوظيفه وما محتاج للمال»  فلا غرو أن وجه رئيس الجمهورية والي الخرطوم ووزير صحته بتوفير كل الأجهزة التي يسافر لها المواطنون بالخارج بتوفيرها بمستشفى الراجحي بأمبدة، معلناً استمرار سياسة توطين العلاج بالداخل وتحقيق الاستقرار كما حدث بشطب قوائم الانتظار في مستشفى الذرة والقلب وزراعة وغسيل الكلى. ولم ينسَ الأخ الرئيس عمر البشير في خضم ذاكم الحشد الذي تقاطر ليكونوا شهود عيانٍ في افتتاح مستشفى الراجحي في أقصى المدينة، أن يمتدح الشيخ محمد بن صالح بن عبد العزيز الراجحي لأعماله الجليلة والاستثمارية داخل السودان.
ولنستذكر في هذا الصدد، قول الله تعالى : «هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ».