السبت، 29 أبريل 2017

board

الشيخ الغائب الحاضر

راهن كثيرون من مراقبي الشأن السياسي داخل السودان وخارجه، أن المؤتمر العام لحزب المؤتمر الشعبي، سيشهد كثير خُلفٍ، وعظيم اختلافٍ في اختيار خليفة للشيخ الراحل الدكتور حسن عبدالله دفع الله محمد البشير النحلان المعروف بالترابي

– تنزلت عليه شآبيب رحمات الله الواسعات، بل اشتط بعضهم في رهانه، بأن مجموعة من عضوية المؤتمر الشعبي ستنشق عن الحزب، ولكن الذي حدث يوم الجمعة الماضي، كان تماسكاً قوياً للحزب، أدهش المراهنين قبل المشفقين. وكانت الجلسة الافتتاحية لأعمال المؤتمر العام لحزب المؤتمر الشعبي أول من أمس (الجمعة) في أرض المعارض ببري، قد أكدت سمو عضوية المؤتمر الشعبي فوق الخلافات، واستمساكهم بقضايا الحريات، التي ائتمنهم عليها الشيخ الراحل الدكتور حسن عبد الله الترابي – يرحمه الله – وهو يخطها بيراعه، والقلب في وهنات خفقانه، فأكملها كآخر عملٍ معلومٍ في هذه الحياة الدنيا، وهو مقبل في غير وجل لملاقاة ربه الرحيم، ولم يكن أمامهم إلا أداء هذه الأمانة، بحقها واستحقاقها، وهم قومٌ جُبل على أداء الأمانات، تصديقاً لقول الله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا».
وقد تدافع الشعبيون وغير الشعبيين في مواكب صامتة، وتداعوا إلى أرض المعارض في بري، يوم الجمعة الماضي، زُمراً وفُرادىً مثل ما يدعو الحجيج الموسم. ولم يغب عن ذاكم المشهد الرهيب، إخوان الأمس الذين ذرفوا الدموع مع إخوانهم حزناً والتياعاً، لرحيل الشيخ الغائب الحاضر، وكانهم في حال بكائهم هذا، يرددون في ودواخلهم، أسىً ومواساةً وتعزيةً لهم، قول الشاعر العربي أبي الحسن علي بن العباس بن جريج المعروف بابن الرومي:
بكاؤكُما يشفي وإن كان لا يجدي
فجودا فقد أودى نظيركمُا عندي
ألا قاتل اللَّهُ المنايا ورميها
من القومِ حَبّات القلوب على عَمدِ
طواهُ الرَّدى عنِّي فأضحى مَزَارهُ
بعيداً على قُرب قريباً على بُعدِ
لقد أنجزتْ فيه المنايا وعيدَها
وأخلفَتِ الآمالُ ماكان من وعدِ
لم يكن الدكتور عثمان عبد الوهاب غريب اليد واللسان عن هذا الحشد الحاشد، فأمروه عليهم طوعاً واختياراً، ليترأس فعاليات الجلسة الافتتاحية، وهو زاهد عن المناصب وَالأَنصَاب، حلها وحرامها. فأعطى سوانح متفاواتٍ لقيادات الأحزاب والقوى السياسية، وزعماء الحركات الإسلامية العالمية. وكان الإمام الصادق الصديق عبدالرحمن محمد أحمد المهدي المعزي والمُعزى في الشيخ الغائب الحاضر، طارحاً في كلمته الموجزة، عشر جدلياتٍ، مطالباً بحوار خارطة الطريق الذي وقعت عليه الحكومة. فجاءه الرد سريعاً لطيفاً، من الأخ المهندس إبراهيم محمود حامد نائب رئيس حزب المؤتمر الوطني للشؤون السياسية والتنظيمية، بأن حكومته ملتزمة بحوار خارطة الطريق، ملوحاً ببشرياتٍ قادماتٍ إلى أهل السودان، فعاجله شباب المؤتمر الشعبي بهتافٍ داوٍ (حرية، حرية)، ولكنه أجابهم في غير لجاجةٍ قائلاً: «سنمضي إلى السلام الذي أصبح قاب قوسين أو أدنى. وسنعمل من أجل الحريات والاقتصاد والتنمية». وكان الشيخ إبراهيم السنوسي قد أكد في كلمته الضافية، ثوابت المؤتمر الشعبي في قضايا الحريات، مشيراً إلى أن حزبهم يواجه تحدياتٍ كبيرةٍ في مسألة المشاركة في الحكومة المقبلة. أما ساطع محمد الحاج الأمين السياسي للحزب الناصري، قدمته المنصة خطأً على أنه ممثل حزب البعث الناصري، فما كان منه إلا أن يصحح هذا الخطأ، ويربك المشهد بأكمله، غارفاً ب»كوز» الأخوان شعاراتهم وأناشيدهم وأهازيجهم. فبأسلوبٍ دراميٍ، حكى ما حدث له يوم 23 يونيو 2012، من اقتحام عدد من عناصر جهاز الأمن والمخابرات الوطني، مكتبه بغرض اعتقاله، وعند حبسه في زنزانة ضيقة، وهو الرجل الضخم، وجل واضطرب في الوهلة الأولى إلا أنه تذكر يوسف لبس وبارود صندل وناجي عبد الله في المعتقل، الذين كان يدافع عنهم كمحامٍ. وفاجأ الحضور بتريد هتافات الإسلاميين «في سبيل الله قمنا، نبتغي رفع اللواء، لا لدنيا قد عملنا، نحن للدين فداء، فليعد للدين مجده أو ترق فيه الدما»، فألهب حماسة الشباب، وأبكى النساء، وحير الشيوخ. فهكذا أصبح ساطع مجاهداً، ليوم واحد، فعسى أن نسمع قريباً بساطع المجاهد بحقٍ وحقيقةٍ، ما ذاك على الله ببعيد.
أخلص إلى أن حزب المؤتمر الشعبى أول من أمس (الجمعة) حسم مسألة المشاركة في الحكم والنظام الخالف، إلى جانب مناقشة أوراق تتعلق بالقضايا الفكرية والاقتصادية والاجتماعية. وحسم أمس (السبت) أمر أمانته العامة بفوز الدكتور علي الحاج محمد بمنصب الأمين العام للمؤتمر الشعبي. ودعا الدكتور علي الحاج في كلمته في ختام فعاليات المؤتمر العام لحزبه، بعد تقديم واجب العزاء للجميع في وفاة الشيخ الدكتور حسن الترابي، معرباً عن شكره وتقديره للقائمين على أمر الحزب منذ وفاة الشيخ الترابي. وقال «إنهم هم الذين أوصلونا إلى هذا المؤتمر بصورته المشرفة». وأكد الأمين العام للمؤتمر الشعبي المنتخب أنه لم يأتِ لينقض ما قام به إخوانه، وإنما جاء ليضع لبنة بناء أخرى عليه. وتعهد بأن يكونوا أوفياء لوحدة حركة الإسلام والسودان، ويكونوا أوفياء للسلام، مضيفاً أنهم مثلما صبروا على الحوار الوطني، سيصبحون أيضاً على إنفاذ مخرجاته، لا مجال للعودة إلى الوراء، فكل خطاوينا ستكون إلى الأمام.
وهكذا خسر المراهنون على الخلاف والشقاق بين عضوية المؤتمر الشعبي خلال فعاليات المؤتمر العام للحزب، وذلك من خلال السمو فوق الخلافات، وحسمه مسألة المشاركة في الحكم والنظام الخالف، وانتخاب الأمين العام بسهولةٍ ويسرٍ، وتوافقٍ ورضاً.
ولنستذكر مع أهل المؤتمرين الوطني والشعبي في هذا الصدد، قول الله تعالى: «وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ».
وقول الشاعر:
تبكيك قافلة الهداة تجوب أنحاء الحمى
قد كنت أنت دليلها متوقداً متقدماً
تحدو المسيرة هادياً بين القفار المظلمة
والنور منك لقد بدا وبك انتهى ولَك انتمى