السبت، 29 أبريل 2017

board

كنا مع رئيس البرلمان في منزله (3)

لم يكن البروفيسور إبراهيم أحمد عمر رئيس المجلس الوطني (البرلمان)، في لقائه بعددٍ من رؤساء تحرير الصحف السيارة والكُتَّاب، وبعض مسؤولي الأجهزة الإعلامية والمراكز الإعلامية المتخصصة، في منزله بأم درمان مساء يوم الجمعة الماضي،

متحفظاً في سرد المعلومات، والإجابة على التساؤلات، حتى وإن اتسمت بعضها بشيءِ من الصراحة والجُرأة والغلظة، فاستمع إليهم، كما أنصتوا إليه.  ومعنى النصت، كما جاء في "معجم لسان العرب"  لمحمد بن مكرم بن علي أبي الفضل جمال الدين بن منظور الأنصاري الرويفعي الأفريقي، نَصَتَ الرجلُ، يَنْصِتُ نَصْتاً وأَنْصَتَ وهي أَعْلى وانْتَصَتَ سكَتَ، وقال الشاعر الطرماح بن عدي الكندي الطائي، في الانْتِصاتِ:
يُخافِتْنَ بعضَ المَضْغِ من خَشْيةِ الرَّدَى
ويُنْصِتْنَ للسَّمْعِ انْتِصاتَ القَناقِنِ
يُنْصِتْنَ للسمع أَي يَسْكُتْنَ لكي يَسْمَعْنَ، وفي التنزيل العزيز "وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ".
وأبدى بعض الرسلاء من حاضري اللقاء، ملاحيظ مهمة في الأداء الإعلامي للبرلمان، لا سيما تغييب الوسائط الصحفية في الرحلات المهمة لرئيس البرلمان، من بينها رحلته الأخيرة إلى الولايات المتحدة الأميركية.  وافقهم على بعض ملاحيظهم، ولكنه في الوقت نفسه، لم يخفِ عنهم استياءه وامتعاضه من تناول بعض الوسائط الصحفية لأعمال ومداولات البرلمان، خبراً أو تقريراً أو تعليقاً أو تحليلاً أو رأياً، بقدرٍ تنتفي عنه الموضوعية والصدقية والمهنية.  وفاجأنا بنماذج من تلكم القُصاصات الصحفية التي أثارت حفيظته ومغاضبته، ولكنه حرص على أن يحجب عنا أسماء أولئك الرسلاء والرسيلات، وتحديد صحفهم، على الرغم من مناشدة بعضنا له بتعريفهم لنا، فرفض بدعوى أنه لا يريد أن يُشنع بهم، بقدر ما يريد أن يعمل رؤساء التحرير على تصحيح هذه الممارسة الصحفية الخاطئة التي لا تعتمد على المصادر الحقيقية، والمعلومات الصحيحة، ولا تجتهد في المراجعة والتأكد قبل النشر، حفاظاً على الموضوعية والمهنية.  وأشار إلى أنه ليس من أنصار اللجوء إلى المحاكم في مثل هذه الحالات التي يكون فيها التجني على البرلمان وأعضائه، بيناً لا لَبْس فيه ولاغموض، على الرغم من وجود إدارة قانونية على استعدادٍ للتقاضي في المحاكم، لاسترداد الحقوق، ورفع الظلم والجور، موضحاً أنه يُحِب التعامل مباشرةً مع الصحف، في معالجة مثل هذه الظواهر، بكثير صبرٍ وتحملٍ، مؤكداً أن البرلمان يدعم الإعلام المهني، باعتباره جهة رقابية مهمة، تسهم في تفعيل عملية الرقابة والمساءلة البرلمانية للسلطة التنفيذية.  ومن هذا المنطلق، يرى البروفيسور إبراهيم أحمد عمر أنه من الضروري، أن تتكامل الجهود بين المنظومتين، مشيراً إلى أن نظرته إلى الإعلام، نظرة إيجابية، إذ أنه جهة رقابية تجد منا كل ترحيب وتقدير، راجياً أن تسود المهنية والصدقية والموضوعية، في الإعلام ليؤدي دوره الرقابي الفاعل، خدمةً للوطن والمواطن.
لم يغفل البروفيسور إبراهيم أحمد عمر خلال زيارته الأخيرة إلى الولايات المتحدة الأميركية, تأثير الوسائط الصحفية والإعلامية الأميركية في تشكيل اتجاهات الرأي العام وموجهاته، ودورها غير المنكور في إحداث مضاغطاتٍ قوية على صانعي القرار، لاتخاذ قرارات تستجيب لمضاغطات الرأي العام حول قضايا محددة.  فلذلك حرص أيما حرصٍ على لقاء عددٍ من الصحافيين الأميركيين في نادي الصحافة بواشنطن، حيث بات معلوماً لدى دول ودوائر غربية استخباراتية , إن التقارير تؤكد تعاون الخرطوم في مجال مكافحة الإرهاب، بصورة فاعلة، إذ يُعد السودان لدى هذه الدول الغربية الآن من أكثر الدول استقراراً، مما أهله للقيام بمبادرات في دول الإقليم من حوله لتحقيق الاستقرار في دول المنطقة، مؤكداً أن أجهزة الاستخبارات الأميركية تعتبر في الوقت الراهن "أن السودان أكثر الدول تعاوناً في مجالات مكافحة الإرهاب"، مشيراً إلى عدم رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، بأنه قرار سياسي أميركي، وليس قراراً أمنياً.  وجدد الدعوة للإدارة الأميركية إلى رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب في القريب العاجل.
أخلص إلى أن، من اختراقات رحلة البروفيسور إبراهيم أحمد عمر رئيس المجلس الوطني الأخيرة إلى الولايات المتحدة الأميركية, أنه في حواراته مع عددٍ من أعضاء الكونغرس الأميركي، أكدت توجهاً أميركياً جديداً في تعاطي الشأن السياسي السوداني.  وأظهرت له لقاءاته مع بعض الدوائر الأميركية، "الرغبة في التعاون من أجل مصلحة البلدين"، مشيراً إلى أن العلاقات السودانية – الأميركية، بلا أدنى ريب، دخلت مرحلة جديدة بعد الرفع الجزئي للعقوبات التجارية والمالية عن السودان، مشيراً إلى استعراض التطورات السياسية في السودان، منها إنفاذ مخرجات ومقررات الحوار الوطني والتعديلات الدستورية التي صادق عليها البرلمان في الفترة الماضية، والمشاورات الجارية حالياً مع الأحزاب والقوى السياسية، والحركات المسلحة التي انضمت إلى ركب السلام والاستقرار، بغرض تشكيل حكومة الوفاق الوطني.  ومن ومخرجات هذه الزيارة أنه تم الاتفاق على زيارة وفد من الكونغرس الأميركي إلى السودان في أكتوبر المقبل. وفِي الشأن الاقتصادي، زار البروفيسور إبراهيم أحمد عمر عدداً من الشركات الأميركية الكبيرة، وعرضوا إمكانيات السودان الطبيعية ومجالات الاستثمار داخله، مؤكداً أن أبواب السودان مفتوحة للاستثمارات الأميركية في المجالات المختلفة، وخاصةً التكنولوجيا.  ومن أهم الاجتماعات التي عقدها مع كُبريات الشركات الأميركية، خلال هذه الزيارة، كان اجتماعه مع شركة جنرال إلكتريكGeneral Electric   واختصارها GE هي شركة صناعية وتكنولوجية في الولايات المتحدة الأميركية، ضخمة متعددة الجنسيات.  وفي تقييم "مجلة فوربز" الأميركية تعتبر جنرال الكتريك ثاني أكبر شركات العالم، ولها ما يزيد عن 300 ألف عامل.
وفِي خاتمة هذه العُجالة، أَجِد نفسي مقارناً اختراقات هذه الزيارة، بإخفاقات زيارة رئيس البرلمان إلى الولايات المتحدة الأميركية في سبتمبر 2015، حيث لم يجد البروفيسور إبراهيم أحمد عمر مناصاً من الاعتراف بعودته من تلكم الزيارة، خالي الوفاض أو رجع بخفي حُنَيِن، وهو مثل عربي يضرب عند اليأس من إدراك الحاجة والرجوع بخيبة الأمل.  ومن يعرف أستاذي البروفيسور إبراهيم أحمد عمر معرفتي، يعلم أنه لا يتعلل بالآمال، ولا يقنع بالإقلال، سيجتهد مع آخرين حتى ترفع الإدارة الأميركية اسم السودان من قائمة الدول الرعاية للإرهاب.
ولنستذكر معه في هذا الصدد، قول أبي الطيب أحمد بن الحسين، المعروف بالمتنبئ:
ليس التعللُ بالآمال من إربي
ولا القناعة بالإقلال من شيمي