السبت، 29 أبريل 2017

board

معلم الأجيال في رحاب الله

نعى الناعي أول من أمس (الجمعة)، وفاة معلم ومربي الأجيال والمؤرخ الباذخ والشاعر الطرير ضرار محمد صالح ضرار في العاصمة السعودية الرياض. فقد شق النبأ العظيم على أهليه وزملائه وتلاميذه وعارفي فضله وعلمه. 

جاء القضاء المبرم (الموت)، ليختطف من بيننا معلم الأجيال ومربيها ضرار صالح ضرار يوم الجمعة، وهو من أفضل الأيام عند الله، ففيه خُلق آدم عليه السلام، وفيه قُبضت روحه، وفيه تُعرض صلواتنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، تصديقاً لما جاء عن أوس بن أوس:  عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَام، وَفِيهِ قُبِضَ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ، وَفِيهِ الصَّعْقَةُ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنْ الصَّلَاةِ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلاتُنَا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرَمْتَ -أَيْ يَقُولُونَ قَدْ بَلِيتَ- قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ السَّلام». فالموت ابتلاء قد يصعب الاصطبار عليه، إن لم يُنزل المبتلون على أنفسهم، صبراً واصطباراً، قول الله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ». وأحياناً يجد البعض في الرثاء التماسة عزاء، في التحزن على الميت. فالرثاء في اللغة بتصريفاتها، كما جاء في معجم «لسان العرب»  لمحمد بن مكرم بن علي أبي الفضل جمال الدين بن منظور الأنصاري الرويفعى الأفريقي بمعنى: «البكاءُ على الميت بعد موته ومدحه وتعديد محاسنه، أو نظم شعر فيه بعد موته». واصطلاحاً الرثاء هو التوجع والحزن، ومنه رثاء النبي صلى الله عليه وسلم لسعدِ بنِ خولةَ رضي الله عنه، كما ورد في البخاري وغيره، فقد رثاه بقوله: «لَكِنْ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ» يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ.  وقال شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني في «فتح الباري»».. ويقال رثيته إذا مدحته بعد موته، ورثيت له إذا تحزنت عليه».
عُرف عن الراحل معلم الأجيال ضرار محمد صالح ضرار، أنه معلم جليل، ومؤرخ نحرير رُزء السودان كله برحيله، والشرق بالأخص، فقد كان فارس الكلم، وناصع الحُجة في كتاباته التاريخي، يبذل جهداً مقدراً في إيراد الحقائق عن هجرات العرب إلى السودان، مستصحباً الوثائق، ومستشهداً بالوقائع  , كان يكتب التاريخ بأسلوبٍ رصين، وعبارة مهذبة، وسلاسة غير ملولة.  فالحكاية عنده في التاريخ، توصيل المعلومة، وتدبر الحقيقة. كان الأستاذ الراحل صاحب قلم رقيق، وقلب مرهف، ومبدع يحتفي بالإبداع والمبدعين، أين كانوا، ومن أين آتوا. فلا غرو أنه، في إحدى رحلات مدرسة بورتسودان الوسطى إلى أربعات، استمع إلى أحد تلاميذه يغني بصوت عذب، طرب له أيما طرب، فشجعه ورعاه، رعاية فنية موسيقية وغنائية، ذاكم كان الأخ الفنان عبد الكريم الكابلي، الذي برع بعد ذلك، غناءً وموسيقىً ومثاقفةً.  وكان من باب حفظ الجميل، وتأكيد الوفاء، ذكر الكابلي هذا المعروف الذي أسداه له معلمه الأستاذ الجهبذ ضرار صالح ضرار.
كان الأستاذ الراحل ضرار صالح ضرار، متمكناً في مادته، وكاتباً ضليعاً في تعبيراته، وقلماً آخاذاً في أسلوبه، ومتميزاً في سرده وبليغاً في تصويره، إذ يحرص على نقل المعاني قبل تركيب المباني، للحرف عنده معنى وللكلمة موقف. ولما كان الراحل يهتم برشيق العبارة ورصين الأسلوب تجد أن كتاباتة في التاريخ، روايات وقصص، تخلب اللب، وتشغل الفكر، وتثير التدبر.  بدأ أستاذنا الراحل حياته العملية مدرساً في وزارة التربية والتعليم، فعمل في بخت الرضا وعطبرة، وابتعث إلى جامعة أكسفورد عام 1951. وفِي الحقيقة كان معلمو ذاكم الزمان يبتعثون إلى بريطانيا للتدريب في كليات التربية ومعاهد إعداد المعلمين، فاحتضنتهم وهم في ريعان الشباب جامعات أكسفورد ولندن وليستر..  ألخ. فعاد بعد البعثة إلى السودان، حيث عمل في مدرسة خور طقت الثانوية ومدرسة بورتسودان الثانوية، وهي موطن الأهل والعشيرة، ثم عمل مساعد مفتش تعليمي في الشمالية، ثم ملحقاً ثقافياً في بيروت، مسؤولاً عن لبنان وسوريا والأردن والعراق، ثم كبير مفتشي المدارس الثانوية، ثم ناظراً ( مديراً) لمدرسة الخرطوم الثانوية للبنات، ثم وكيلاً لوزارة التعليم العالي بالإنابة، ثم خبيرًا في اليونسكو لمحو الأمية الوظيفي في الهند، ووافقت أنديرا غاندي رئيسة الوزراء آنذاك على ذلك، لكن لم يوافق وزيره على انتدابه فترك المهمة.  بعد ذلك عرض عليه المجلس القومي للبحوث الفرنسي ليكون مستشاراً للغات الكوشية التي من ضمنها اللغة البداويت التي يتحدث بها البجا.  وفِي باريس ألقى محاضرة عن البجا، وعن أعمال والده المؤلف والمؤرخ محمد صالح ضرار، وترجم بعض أشعار البجا.  فوجدت تلكم المحاضرة، صدىً طيباً بين أواسط مثقفي فرنسا.  لم يستمر الأستاذ الراحل، بعد ذلك في وزارة التربية والتعليم، فطلب التقاعد الاختياري، وهاجر إلى المملكة العربية السعودية في ديسمبر 1975، فعمل مترجماً في وزارة الدفاع، ثم مديراً لقسم الترجمة في شركة النقل الجماعي (شركة أميركية)، ثم مترجماً ومراجعاً ومؤلفاً لدائرة المعارف السعودية، وهو عمل ضخم قام به بكل جدارة.  من مساهماته في المجال الثقافي في المملكة العربية السعودية أنه كان يحضر منتدى الشيخ حمد الجاسر في الرياض، وهو ملتقىً للأدباء والمثقفين من السعوديين وغير السعوديين.
أخلص إلى أن، معلم الأجيال ومربيها، الأستاذ الراحل ضرار محمد صالح ضرار، كان حليماً ودوداً، وطيبًا بشوشاً، يلقاك بابتسامة عريضة، ويحييك بصوت متميز، فيه عمق الطيبة ودفء السودان. وعُرف بغزارة إنتاجه العلمي، ويعتبر من المؤرخين السودانيين الموسوعيين.  فقد كان والده من طلائع قيادات مؤتمر الخريجين في بورتسودان.  فكان يحتفظ بكل زهوٍ وفخارٍ، خطاب بعثه الرئيس إسماعيل الأزهري، أيام مؤتمر الخريجين، إلى والده محمد صالح ضرار يهنئه فيه باختياره رئيساً للمؤتمر في بورتسودان.
أما مؤلفاته، فهي كُثر ومتنوعة في الأدب والشعر والتاريخ، منها:  تاريخ السودان الحديث، وهجرة القبائل العربية إلى مصر والسودان، والعرب من معين إلى الأمويين، هل كان عنترة سودانيًا؟ والحجاج بن يوسف الثقفي.  والحب في شعر العقاد، والقضية الفلسطينية، بالإشتراك مع عز الدين حافظ  وعلي محمد علي، وديوان ضياء وضباب، وديوان لذيذ كل ما كان، وتاريخ العلاقات الدولية، وهو مخطوطة عن الفترة من 1870  إلى 1939 مع ذكر أسباب قيام الحربين العالميتين.  واهتم بالترجمة من العربية إلى الإنجليزية: كتاب حقوق الإنسان في الإسلام، للدكتور عبد الواحد وافي.  وكذلك بالترجمة من الإنجليزية إلى العربية: كتاب حرب النهر، لونستون تشرشل. وكتاب حياة دنيا، لغراهام غرين، إضافة إلى تأليف كتب للأطفال وبرنامج محم الأمية. ألم أقل أن معلم الأجيال ومربيها الراحل ضرار, كان موسوعي المعرفة، وغزير الإنتاج الفكري والتاريخي.  فلا غرو، أن كرمته رئاسة الجمهورية، بمنحه وسام الآداب والفنون في عام2013، ومنحته جامعة الأحفاد الدكتوراه الفخرية وكذلك جامعة البحر الأحمر.
ألا رحم الله تعالى أستاذنا ضرار صالح ضرار، وخالص التعازي وصادق المواساة لابنيه كابتن طيار سيف الدولة بالرياض والدكتورة هند بأميركا، وللإخوة الأصدقاء قاسم بالرياض وصديق بجدة وسليمان بلندن والدكتورة آمنة بالخرطوم. ولنستذكر معهم في هذا الخصوص، قول الشاعر العربي أبي الطيب أحمد بن الحسين، المعروف بالمتنبئ:
يا من ألوذ به فيما أؤمله
لا يجبر الناس عظما أنت كاسره
وختاماً أسأل الله تعالى أن يتقبل أستاذنا الراحل ضرار محمد صالح ضرار، قبولا طيباً حسناً، ويلهم  ذويه وأصدقاءه وتلاميذه ومعارفه وقراءه الصبر الجميل «وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا نُؤْتِه منها ومن يرد ثواب الآخرة نُؤْتِه منها وسنجزي الشاكرين».