السبت، 29 أبريل 2017

board

رحيل الشيخ إبراهيم الطيب رجل البر والإحسان (1)

غيب الموت الذي هو حقٌ علينا جميعاً، الشيخ الدكتور إبراهيم الطيب الريح مساء يوم السبت الماضي في لندن كلينيك بالعاصمة البريطانية، بعد معاناةٍ مريرةٍ مع المرض والألم. 

فإن كان المرض عند جمهور الفقهاء، هو القضاء المؤجل، فالموت بلا أدنى ريبٍ، هو القضاء المبرم الذي لا فكاك منه، ولا مهرب من وروده، لأي إنسان مهما نسأ الله في عمره، وأمد في أجله.  والموت يدركنا أينما نكون، حتى ولو لذنا بأرقى مستشفيات العالم، وأمهر نطاسيها، وهو يقيناً مدركنا حتى ولو كنا في بروجٍ مشيدةٍ، تصديقاً لقوله تعالى: "أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ۗ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ۖ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِنْدِكَ ۚ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ۖ فَمَالِ هَٰؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا".  كان عمنا الراحل الشيخ الدكتور إبراهيم الطيب الريح، صابراً على ابتلاء الله له بالمرض، ومستعيناً على آلامه بالمداومة على الصلاة والصبر الجميل، تنزيلاً لقوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ".  ولم يركن الراحل العزيز للمرض، بل سارع إلى البحث عن علاج له في أرقى مستشفيات بريطانيا ومستوصفاتها، حيث تردد بين مستوصف كينغ إدوارد ولندن كلينيك وغيرهما، ولكن الله سبحانه وتعالى كان قد كتب في لوحه المحفوظ، ميقات موته في بريطانيا. وعلمتُ من الأخ الصديق محمود عبد الرحيم رجل الأعمال المعروف الذي كان مصادفة في زيارة إلى لندن، وحضر الوفاة هناك، وشارك مع الأخ الهادي ابن الراحل والابن الدكتور خالد حفيد الراحل، في إجراءات نقل جثمان الراحل الشيخ إبراهيم الطيب الريح إلى السودان.  ومن المقرر أن يصل الجثمان إلى مطار الخرطوم بطائرة الخطوط الجوية القطرية في الساعة الثانية عشرة ظهر اليوم (الأربعاء)، ليُدفن في مقابر البكري بأم درمان.
أحسب أن السودان كله رُزء برحيل رجل البر والإحسان الشيخ إبراهيم الطيب الريح، فالكثيرون من أهليه وأصدقائه وعارفي فضله، حزانى لفقده الأليم، ووجعى لفراقه.  أكبر الظن عندي، أن وفاة شيخنا الجليل، تمثل حدثاً جللاً، ومصاباً فادحاً، وحزناً مُفجعاً، ليس لأفراد أسرته الأقربين فحسب، ولكن لكل أصدقائه ومعارفه، والعاملين معه في مؤسساته الخيرية، ومنظوماته الطوعية، ولبني شعبه.
غيَّب الموت الذي أحسب أننا واردوه، مهما طالت بِنَا الآماد، وصبرت علينا السنون، لإدراك الأجل المكتوب، تصديقاً لقول الله تعالى في محكم آيه، وبديع بيانه: "وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ".  وتأكيداً لقول الشاعر العربي كعب بن زهير بن أبي سلمى:
فَقُلْتُ خَلُّوا سَبيلِي لاَ أبا لَكُم فَكُلُّ ما قَدَّرَ الرَّحْمنُ مَفْعولُ
كُلُّ ابْنِ أُنْثَى وإنْ طالَتْ سَلامَتُهُ يَوْماً على آلَةٍ حَدْباءَ مَحْمولُ
وفِي السنوات القليلة الماضية، مكث في بريطانيا للتردد على الأطباء، التماساً للعلاج من أمراض أوهنت الجسم العليل، مع علمه اليقيني أن التردد على النطاسة بغرض الطبابة، من باب الأخذ بالأسباب والمسببات، وأن الشفاء من الله تعالى، ودائماً يردد قوله سبحانه وتعالى: "وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ".  فقد كانت حياته ملأى بمجاهدات واجتهادات، وحفلت بجلائل الأعمال وعظائم الأمور، اصطحبت بذلاً غير محدود وعطاء غير معدود، في مجالات العمل الخيري، الذي تشعبت عنده دروبه، واتسعت طرائقه وسبله.  كان الراحل نصيراً للمستضعفين وأصحاب الحاجات من السودانيين وغير السودانيين، إضافة إلى انحياز تام لطبقات الفقراء والمساكين والمعوزين، في مواطن إقامته الثلاثة، السودان ونيجيريا وبريطانيا. وأكثر ما أحزنني في هذا الفقد الجلل، والمصاب الأليم، برحيل الشيخ إبراهيم الطيب الريح، أنه كان يحنو علينا، نحن الذين عملنا معه في المجلس القومي السوداني في المملكة المتحدة وإيرلندا، لسنين عدداً، عبر إسداء جميل النصح، وعظيم الاستشارات.  ولكن لا يمكن أن نجزع في هذا المصاب لأن الجزع من المدارج التي تؤدي إلى المهالك، ولكن علينا أن نصبر ونصطبر على الابتلاء، مستعينين في ذاك الصبر، بقول الله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ".  والصبر في اللغة حبس النفس على ما يقتضيه العقل والشرع، وقيل أيضاً، حبس النفس عن الجزع وهو الحلم، أي التأني وطول البال.  ويذكر أبو بكر محمد بن يحيى بن زكريا الرازي في مختار الصحاح، أن يتصبر المؤمن على ابتلاءات الله تعالى له بإبداء قدر من تكلف الصبر، ليعينه على الرضا بقضاء الله عزّ وجلّ، وصولاً إلى بلوغ كمال مدارج الصابرين على الابتلاءات، بالدخول في ذمرة الشاكرين، وهي أعلى درجات الصبر والاصطبار، في مثل هذه الابتلاءات التي يبتلي بها الله تعالى خيار عباده.
وأحسب أنه من الضروري في هذه العُجالة، أن نتذاكر أهمية الصبر على ابتلاءات الله تعالى، ونتجمل بالتصبر في مثل هذه المصائب الجلل، وننشد مع الشاعر الجاهلي زهير ابن أبي سلمى:
ثلاث يعز الصبر عند حلولها ويذهل لها عقل كل لبيب
خروج اضطرارٍ من ديار تحبها وفرقة إخوان وفقد حبيب
كان الراحل الشيخ الدكتور إبراهيم الطيب الريح تخرج في كلية غردون التذكارية في عام 1943، ولكن لم تستهوه الوظيفة العامة، ففي عام 1944 أسس شركة استيراد وتصدير مع أخيه الشيخ عثمان الطيب الريح، ثم سرعان ما شد الرحال إلى نيجيريا، ليلتحق بركب عمه الشيخ البشير الريح الذي كان يعمل آنذاك قاضياً شرعياً، منتدباً من قبل حكومة السودان إلى نيجيريا، لإنشاء كلية لتدريس اللغة العربية والشريعة الإسلامية، بهدف إعداد معلمين نيجيريين للغة العربية، وقضاة شرعيين.  ولما وجد الشيخ البشير الريح، هوى للاشتغال بالتجارة عند ابن أخيه شجعه على الهجرة إلى نيجيريا، والعمل بالتجارة.  فأنشأ الراحل بعض الأعمال التجارية في كانو بشمال نيجيريا.  وفِي عام 1958، أسس أكبر مصنع لإنتاج الحلويات في أفريقيا مع آخرين بنيجيريا، وكان مشرفاً على إدارته.  وفِي عام 1965، أسس مصنعاً للأدوية مع آخرين، وحرص على الإشراف عليه.  ولم يغب السودان عن باله، في جهوده الاقتصادية، إذ كان أحد المؤسسين لبنك فيصل الإسلامي السوداني، بالتعاون مع الأمير الراحل محمد الفيصل في عام 1976، فتم اختياره عضواً لمجلس إدارة بنك فيصل الإسلامي السوداني في العام نفسه.  وفِي عام1981، انتخب عضواً لمجلس إدارة دار المال الإسلامي بجنيف في سويسرا. واختير رئيساً لمجلس إدارة الشركة الإسلامية للاستثمار في عام 1982.
أخلص إلى أنني، سأستعرض في العُجالة المقبلة، جوانب من جهود الشيخ الراحل إبراهيم الطيب الريح، في المجالات التعليمية، وفِي سوح العمل الإنساني، والمنظومات الطوعية العاملة في المجالات الصحية والطبية والتعليمية. ولنستذكر مع المشيعين لجثمانه في هذا الصدد اليوم (الأربعاء) قول الشاعر السوداني الأخ الصديق الراحل صلاح محمد إبراهيم:
يا منايا حوّمي حول الحمى واستعرضينا
واصَطفي كلّ سمح النفس، بسّامِ العشياتِ الوفي
الحليمَ، العفّ ، كالأنسامِ روحاً وسجايا
أريحيِّ الوجه والكفّ افتراراً وعطايا
فإذا لاقاكِ بالبابِ بشوشاً وحفي
بضميرٍ ككتابّ اللهِ طاهرْ.. أنشُبي الأظفارَ في أكتافِه واختطفي
وأمانُ الله مِنّا يا منايا.. كلّما اشتقتِ لميمونِ المُحيّا ذي البشائْر
شرّفي تجدينا مثلاً في الناس سائرْ.. نقهر الموتَ حياةً ومصائرْ
ألا رحم الله تعالى الشيخ الدكتور إبراهيم الطيب الريح، وخالص التعازي وصادق المواساة، لأبنائه أمين والهادي وأسعد ومأمون والطيب وأخواتهم، ولصهريه الأخ مصطفى عثمان فقيري والأخ الدكتور أحمد إبراهيم الترابي.  وتقبله الله قبولاً طيباً حسناً، وألهم آله وذويه وأصدقاءه وعارفي فضله الصبر الجميل.
"وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ. الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ".