السبت، 29 أبريل 2017

board

رحيل الشيخ إبراهيم الطيب رجل البر والإحسان (2)

ما زلنا في صبرٍ واصطبار، من هول فاجعة نبأ عظيم أتانا بليلٍ، عن وفاة الشيخ الدكتور إبراهيم الطيب الريح مساء يوم السبت الماضي في لندن كلينيك بالعاصمة البريطانية، بعد معاناةٍ مريرةٍ مع المرض والألم، اصطبر عليها حيناً من الدهر. 

والحِينُ في المعاجم اللغوية، الوقت يقال حينئذ، وربما أدخلوا عليه التاء، فقالوا تَحِين بمعنى حين. والحِيُن أيضاً المدة، ومنه قول الله تعالى: «هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا»، وحَانَ له أن يفعل كذا، يحين حِيناً بالكسر أي آن، وحانَ حِينُهُ أي قرب وقته، وعامله محَايَنَةً مثل مساوعة، وأحْيَنَ بالمكان أقام به حيناً.
وأحسب أنه من الضروري، أن أستعرض في هذه العُجالة اليوم (الخميس)، جوانب من جهود الشيخ الراحل إبراهيم الطيب الريح، في المجالات التعليمية، وفِي سوح العمل الإنساني، والمنظومات الطوعية العاملة في المجالات الصحية والطبية والتعليمية، لتكملة بعضاً من السفِر الطويل من جهود شيخنا الراحل التي تحدثنا عنها لماماً، في عُجالة أمس (الأربعاء).  ففي المجالات التعليمية، عمل على المساعدة في تعليم اللغة العربية ونشرها، من خلال تبرعه بمعمل لغة استورد من إيطاليا لجامعة (بايرو) بكانو في شمال نيجيريا، وذلك في عام 1989. وفِي العام نفسه، أنشأ معهد تدريب معلمي اللغة العربية أثناء الخدمة.  ويغطي هذا المعهد احتياجات المعلمين التدريبية في عدة ولايات بشمال نيجيريا، ورئاسته في مدينة كانو، وذلك بالتعاون مع وزارة التعليم بكانو، ومعهد الخرطوم الدولي بالسودان.  وحسب علمي، أن لهذا المعهد أكثر من 32  فرعاً في مختلف المحليات، بولايات شمال نيجيريا، حيث يقضي فيه هؤلاء المتدربون ثلاثة أعوام دراسية، يتخرجون بعدها بتأهيل علميٍ ومهنيٍ وثقافيٍ، يؤهلهم لتدريس اللغة العربية في مختلف ولايات نيجيريا الاتحادية.  وتخرج في هذا المعهد أكثر من أحد عشر ألفاً من المعلمين الذين اكتمل تدريبهم وإعدادهم، وقد منحوا مؤهل الدبلوم في تدريس اللغة العربية للناطقين بغيرها، حيث تؤهلهم شهادة الدبلوم هذه، للالتحاق بقسم اللغة العربية في الجامعات النيجيرية والعربية، للحصول على الدرجة الجامعية في اللغة العربية.
وفِي عام 1990، اختير الشيخ الراحل إبراهيم الطيب الريح رئيساً لمجلس أمناء منظمة الإغاثة للعالم الثالث في ولاية كانو.  وعُين رئيساً للمجلس الاستشاري السوداني في المملكة المتحدة من قبل حكومة السودان، وذلك في عام 1990. وفِي إطار اهتمامه بالتعليم الديني، قام بتمويل برنامج إعداد وتأهيل معلمي الدروس الدينية في المدارس الأولية بولاية كانو، لكي يحصلوا على الشهادة الثانوية والتي لم يكونوا قد حصلوا عليها من قبل، وذلك في عام 1992. وفِي عام 1993، اُنتخب رئيساً للمجلس القومي السوداني في المملكة المتحدة وإيرلندا.  وصار عضواً في مجلس اللغة العربية والدراسات الإسلامية بنيجيريا، وذلك في عام 1994. وفاوض في عام 1994، بصفته رئيساً للمجلس القومي السوداني في المملكة المتحدة وإيرلندا، عدداً من أساتذة جامعة كمبريدج البريطانية، ومن بينهم أساتذة عملوا في جامعة الخرطوم في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، وذلك من خلال دعوة عشاء عمل في منزله بحي نايتسبريدج الراقي (وسط لندن)، على ضرورة استفادة السودان من المنح الدراسية التي تُقدمها تلكم الجامعة العريقة إلى جامعات دول رابطة الكمنويلث البريطانية، وهي رابطة لدول كانت تحت التاج البريطاني قبل استقلالها، والسودان رفض الانضمام إليها، بعد نيله لاستقلاله. وبالفعل وفق الراحل في الحصول على ست منحٍ دراسية فوق الجامعية للسودانيين، بتغطية التكلفة كاملة أو جزء منها.  وفِي عام 1995، عينته حكومة السودان عضواً في اللجنة العليا لشؤون السودانيين العاملين في الخارج.  وبالتعاون مع المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الآيسسكو)، عقدت دورة في معهد الشيخ الدكتور إبراهيم الطيب الريح بكانو في عام 1996، للتدريب على كتابة لغات الهوسا وفولاني ويوربا بالحرف القرآني.  ومن المعلوم، أن الشيخ الراحل كان يجيد التحدث باللغات النيجيرية بطلاقة، وكذلك عدد من أبنائه.
كان الشيخ الراحل يهتم أيما اهتمام بجامعة الخرطوم ويقدم لها كثير عونٍ في سد بعض احتياجاتها، فلذلك عندما تسنَّم الأخ البروفيسور الزبير بشير طه إدارة جامعة الخرطوم، سارع إلى تكريمه في عام 1997، من خلال منحه درجة الدكتوراه الفخرية في الآداب، تقديراً لإسهامه الفاعل والمتميز في دعم الجامعة والتعليم العالي، وفِي مجالات الاقتصاد المحلي والإقليمي والدعوة الإسلامية في إفريقيا.  وفِي العام نفسه، أنشأ المركز الثقافي لتعليم اللغة العربية للكبار في كانو. أما جهوده في مجالات العمل الإنساني، فتتحدث عن نفسها، سواء أكانت في السودان أم نيجيريا أم بريطانيا.
أخلص إلى أن، هذا سِفْر يحتاج مني أن استعرضه في العُجالة المقبلة، بشيء من التفصيل، إذ أن بعضها عشتُ ارهاصات تكوينها، وعرفت مساراتها، وشاركت بجهد المُقِل في بعضها، مما يسرت لي القرب منه، ليس في بريطانيا وحدها التي عشتُ فيها سنين عدداً، بل حتى في نيجيريا، عندما زرتها ضمن قافلة طبية باسم المجلس القومي السوداني في المملكة المتحدة وإيرلندا.
فلاغروّ، وأنا أكتب هذه المرثيات عن الشيخ الدكتور إبراهيم الطيب الريح، تذكرت بعض قول الشاعر أبي الحسن علي بن العباس بن جريج:
بكاؤكُما يشفي وإن كان لا يجدي
فجودا فقد أودى نظيركمُا عندي
ألا قاتل اللَّهُ المنايا ورميها
من القومِ حَبّات القلوب على عَمدِ
طواهُ الرَّدى عنِّي فأضحى مَزَارهُ
بعيداً على قُرب قريباً على بُعدِ
لقد أنجزتْ فيه المنايا وعيدَها
وأخلفَتِ الآمالُ ما كان من وعد
ألا رحم الله تعالى الشيخ الدكتور إبراهيم الطيب الريح، وتقبله الله قبولاً طيباً حسناً، والهم آله وذويه وأصدقائه وعارفي فضله الصبر الجميل. ولنستذكر قول الله تعالى في هذا الخصوص، «إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ».