السبت، 29 أبريل 2017

board

رحيل الشيخ إبراهيم الطيب رجل البر والإحسان (3)

أختتم اليوم (الأحد) حلقات ثلاث وسمتها ب"رحيل الشيخ إبراهيم الطيب الريح  رجل البر والإحسان"، وهي بمثابة مرثياتٍ، والمرثية من الرثاء. ويرتبط المدلول اللغوي لــ(الرثاء) بالميت والبكاء،

وهما في الأصل مصدر للفعل (رثى) فيقال: "رثيت الميت رثياً ورِثاءً ومرثاةً ومرثية". ويدل (رثى) في أصله اللغوي على التوجع والإشفاق". وكذالك الرثاء في اللغة يعني: بكاء الميت وتعدد محاسنه. ويقول محمد بن مكرم بن علي أبي الفضل جمال الدين بن منظور الأنصاري الرويفعي الأفريقي في "لسان العرب": "رَثى فلان فلاناً يَرْثيهِ رَثْياً ومَرْثِيَةً إِذا بكاهُ بعد مَوته.فإِن مدَحَه بعد موته قيل رثَّاهُ يُرَثِّيه تَرْثِيةً. ورَثَيْت الميّتَ رَثْياً ورِثاءً ومَرْثاةً ومَرْثِيةً ورَثَّيْته: مَدَحْته بعد الموت وبَكَيْته. ورثَوْت الميّت أَيضاً إِذا بكَيْته وعدَّدت محاسنه، وكذلك إِذا نظَمْت فيه شعراً". وعرفه بعضهم بأنه"حسن الثناء على الميت".
لقد غيّب الموت الذي هو حقٌ علينا جميعاً، الشيخ الدكتور إبراهيم الطيب الريح مساء يوم السبت قبل الماضي في لندن كلينيك بالعاصمة البريطانية، بعد معاناةٍ مريرةٍ مع المرض والألم. فكان فقده فاجعة، وجعل بجميل بره، وكريم إحسانه، وفاته كوفاة قيس بن عاصم المنقري في قومه، الذي يُضْرَبُ بهِ المثَلُ بالحِلْمِ والصَّبْرِ. فالنّاسُ صَارُوا يتَعَلَّمُونَ مِنهُ الحِلْمَ والصبر، فَلمّا ماتَ رَثاهُ الشاعر عبدة بن الطبيب، هو يزيد بن عمرو بن علي، كان شاعراً مُجيداً ليس بالمُكثر:
عَلَيْكَ سَلامُ اللهِ قَيْسَ بنَ عَاصِم
وَرحمتُهُ مَا شَاءَ أنْ يتَرَحَّمَا                                
ومَا كانَ قَيْسٌ هُلْكُهُ هُلْكَ واحِدٍ
ولِكَنّهُ بُنْيَانُ قَومٍ تهَدَّمَا
كان الشيخ الراحل إبراهيم الطيب حليماً ودوداً، وطيباً خلوقاً، يلقاك بترحابٍ وبشاشةٍ، فيه طيبة أهل السودان. كان يحرص على تنظيم لقاءاتٍ اجتماعيةٍ في منزله، ويحيط ضيوفه بكرمٍ فياضٍ. فكان جميل هذه اللقاءات أنها تجمع بين المؤانسة والثقافة، وتنداح فيها الأحاديث والذكريات.
وعندما فكرنا في تأسيس المجلس القومي السوداني في المملكة المتحدة وإيرلندا في أكتوبر 1992، الذي بدأناه بتشكيل لجنة قومية للاحتفال بالذكرى السابعة والثلاثين لاستقلال السودان، باعتبارها ذكرى تجمع السودانيين على اختلاف مذاهبهم السياسية وطوائفهم الدينية، رأينا أنه من الضروري، عند اختيار رئيسٍ لهذه المنظومة، أن يكون من الشخصيات، المجمع عليها من قبل السودانيين في المملكة المتحدة وإيرلندا، فلم نجد صعوبة في الاختيار، ولا لجاجة في الاتفاق عليه، كان ذاكم الشخص، هو الشيخ الراحل إبراهيم الطيب الريح الذي وافق شريطة أن يكون هذا العمل، وطني الهدف، وجامع للسودانيين المقصد. وعلى بركة الله، وحكمة قيادته، نجحت الفعالية أيما نجاحٍ، ما شجعنا على تطوير تلكم المنظومة إلى إنشاء المجلس القومي في المملكة المتحدة وإيرلندا، فكانت من أُولى فعالياته تلكم المناسبة الوطنية الغالية، التي نظمناها في يوم السبت 9 يناير 1993، وكنا قد دعونا عدداً من الوزراء وبعض المسؤولين من السودان للمشاركة في فعاليات تلكم المناسبة. وعندما نظم المجلس القومي السوداني في المملكة المتحدة وإيرلندا أسبوعاً ثقافياً في الامبريال كولدج بجامعة لندن في عام 1994، بمشاركة الأخ الأديب الراحل الطيب صالح في فعاليات ذلك الأسبوع الثقافي من السودان، إضافةً إلى مشاركة كل من الأستاذ الراحل بشير محمد سعيد والأستاذ الراحل الطيب محمد الطيب والفريق (شرطة) الراحل إبراهيم أحمد عبد الكريم والأخ البروفسور حسن مكي والأخ كابتن شيخ الدين محمد عبد الله، والفريق جوزيف لاقو. وأحسب أن الشيخ الراحل ذروة التسامح السوداني والكرم الأصيل، فهو الذي ينفق على القوافل الصحية والطبية، وعلى كل نشاط المجلس دون أن يتوقع مقابلاً.
وكرم الأخ الرئيس عمر البشير الشيخ الراحل إبراهيم الطيب الريح، بمنحه وسام الجدارة، تقديراً لما ظل يقوم به من أعمال جليلة في خدمة البلاد في كافة المجالات الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية والأعمال الطوعية والتي امتدت لأكثر من خمسين عاماً. وقد أحسنت جامعة الخرطوم حينما منحته الدكتوراه الفخرية عرفاناً وتقديراً لأعماله الخيرية الجليلة. وهنا للحقيقة والتاريخ، أن الشيخ إبراهيم الطيب الريح بذل جهداً مقدراً لإقناع الطيب صالح بالانضمام إلى وفد المجلس القومي السوداني في المملكة المتحدة وإيرلندا، للمشاركة في فعاليات مهرجان الخرطوم عاصمة للثقافة العربية في مايو 2005، فجاء إلى السودان بعد غيابٍ دام سنين عدداً".  أخلص إلى أن، الشيخ الراحل إبراهيم الطيب الريح، كان يشجع بعض المعارضين على ضرورة التفاوض مع الحكومة من أجل الوصول إلى تفاهمات ومعالجات، تُسرع بحل المشكل السوداني، فهو يرى أن التعادي يضر بمصالح البلاد والعباد، وكأني به هنا، يستشهد بقول الشاعر العربي أبي الطيب أحمد بن الحسين، المعروف بالمتنبي:   
ومراد النفوس أصغر من أن نتعادى فيه وأن نتفانى
غير أن الفتى يلاقي المنايا كالحات ولا يلاقي الهوانا
وختاماً أسأل الله تعالى، أن يتقبل الشيخ إبراهيم الطيب الريح، قبولاً طيباً حسناً، ويلهم  ذويه وأصدقاءه وعارفي فضله، الصبر الجميل. "وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا ۚ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِين".