الخميس، 27 أبريل 2017

board

مجلس التنسيق الصحي.. والفهم المتقدم للحكم اللامركزي

انعقد مجلس التنسيق الصحي برئاسة الأخ  الرئيس عمر البشير في المباني الجديدة للإمدادات الطبية يوم الإثنين الماضي، لبحث قضايا الصحة في السودان، وإيجاد حلول ناجعة لمشاكلها،

في إطار اهتمام المجلس بالقطاع الصحي، والقيام بدورٍ فاعلٍ في تقديم الخدمات الصحية والطبية للمواطنين في ولايات السودان المختلفة.  إذ أن فكرة إنشاء مجلس لتنسيق الخدمات الصحية والطبية في السودان، جاءت عندما كان الأخ الرئيس عمر البشير في زيارة إلى ولاية كسلا، وأثناء تفقده للمرافق الصحية في تلكم الولاية، لفت انتباهه، أن المستشفى العام في كسلا، مكتظ بالمرضى الأطفال، حيث انشغال الأسرّة بمعدل مريضين لكل سرير، في الوقت الذي وجد فيه المستشفى العسكري وبه 400 سرير، وليس عليها مرضى. فكان إنشاء مجلس التنسيق الصحي، وذلك بغرض الاستفادة من موارد الدولة لخدمة الصحة في المؤسسات المختلفة بتناسقٍ، وتكاملٍ لهذه الخدمات الطبية والصحية في ولايات السودان المختلفة.  فأهمية مجلس التنسيق الصحي، بيّنة من قبل رئاسة رئيس الجمهورية له، وحرصه على إدارة جلساته والتي تتعدى الأربع ساعات، يظل فيها مستمعاً بجلدٍ وصبرٍ لكل المتحدثين.  وقد كانت جلسة يوم الإثنين الماضي، حسب ما جاء في التقارير الصحفية، أن المناقشات كانت على غير المتوقع في مثل هذه الاجتماعات، وأن قرارات الرئاسة كانت مفاجئة لسكرتارية المجلس.
ويضم المجلس عدداً من الوزراء الاتحاديين، كالتعليم العالي، والشؤون الاجتماعية، والاتصالات، والحكم المحلي، وشؤون رئاسة الجمهورية، وكل الولاة ووزراء الصحة الولائيين ورؤساء المجالس المهنية ومجلس التخصصات الطبية ورؤساء الإتحادات المهنية وقائد السلاح الطبي والشرطة والخدمات الطبية بالأمن، وممثلين للقطاع الخاص الطبي والتصنيع الدوائي.  وتقوم وزارة الصحة الاتحادية بسكرتارية المجلس، وتحدد الأجندة وتهيء المجلس لاتخاذ قرارات تتوافق مع سياستها.
وأحسب أن مجلساً بهذا التكوين يرجى منه لو انطلق بحريةٍ، أن يؤدي إلى إصلاحٍ حقيقيٍ في الخدمات الصحية والطبية. ولكن وزارة الصحة الاتحادية التي تحدد نقاط النقاش، وتختار الأوراق للتداول تحجم من فعالية المجلس.  وقد ظهر ذلك جلياً، في اجتماع المجلس يوم الإثنين الماضي، من حيث الفجوة بين وزارة الصحة الاتحادية ووزارات الصحة في الولايات. وقد لخصها الأخ أحمد محمد هارون والي ولاية شمال كردفان، في التخطي الواضح لوزارة الصحة الاتحادية للولايات.  وقد ساق أمثلة لذلك، مشيراً إلى تدخل وزارة الصحة الاتحادية في إقامة منشآت طبية دون علم الولاية، وأن الوزارة الاتحادية تقوم بإرسال أطباء اختصاصيين بعد التعاقد معهم مباشرةً، بل تحوّل حوافزهم إلى حساباتهم البنكية من غير علم الولاية، وليس لوزارة الصحة الولائية من سلطةٍ عليه في هذا الأمر، حتى وإن تغيب الطبيب الاختصاصي من العمل، لا تستطيع الولاية مساءلته أو محاسبته، داعياً إلى ضرورة مراجعة هذه القضية، الأمر الذي أيده فيه البروفيسور مأمون محمد علي حميدة وزير الصحة بولاية الخرطوم.
ولم يتردد الأخ الرئيس عمر البشير في اتخاذ قرارٍ حاسمٍ في هذا الأمر، إذ أحاله للولاية، وجعله من صميم اختصاصها، مؤكداً دور وزارة الصحة الاتحادية في التخطيط والسياسات والعلاقات الخارجية، وأن الولايات دورها يجب أن يكون في إدارة الخدمات على مستوى إداراتها.
في رأيي الخاص، أن هذا الأمر لم يكن يُحسم بهذا الشكل، لولا شجاعة الأخ أحمد محمد هارون في طرحه بهذه الطريقة، وما كان يمكن أن تناقش المواضيع المهمة، والتي من أجلها قام المجلس في ظل النقاش المقترح، وعدم حصره على المواضيع المختارة بعناية من قبل السكرتارية.
أخلص إلى أن، الحكم اللامركزي فكرة لا غبار عليها، بل هي الأمثل لقطرٍ مترامي الأطراف كالسودان، ولكن الفكرة لم تتعمق في أذهان بعض الوزراء الاتحاديين الذين اعتادوا على العمل التنفيذي المباشر. والأمر لا يقتصر على وزارة الصحة الاتحادية، بل يشمل الكثير من الوزارات كالأوقاف والإرشاد والصناعة والزراعة. وأكبر دليل على هذا، أن صلاحيات الاستثمار، تتقاسمها السلطة الاتحادية والولائية، وكلاهما يصدق بالمشاريع والإعفاءات الضريبية والجمركية الأمر الذي أربك المستثمرين.  والأوقاف تسعى جاهدة إلى سن قانون يضع كل الأوقاف في الولايات تحت تصرفها مباشرةً، مما يتعارض مع شروط الواقفين الذين يحددون أين يكون الوقف، ومن المستفيد منه، وعادةً ما يكون هذا ولائياً – وحديثاً أصدرت وزارة الشؤون الاجتماعية قانوناً يصادر حق الولايات في إدارة التأمين الصحي على مستوى الولاية مع عجز الصندوق القومي لتغطية الولايات التي تقع في دائرة سيطرته ليتعدى سافراً على مؤسسات التأمين الصحي في الولايات التي نجحت في رفع نسبة التأمين لما فوق الــ 70%.
وقد كان الأخ الرئيس عمر البشير، واضحاً في تحديد صلاحيات الوزارات الاتحادية، وواجبات الوزارات الولائية. وأكد في هذا الاجتماع، وفي كل مناسبة، على الوزارات الاتحادية أن تحصر عملها في التخطيط، وضبط الجودة، ووضع السياسات العامة، والرقابة، بلا تدخلٍ في الأمور التنفيذية على مستوى الولايات. وهذا ما فشلت وزارة الصحة الاتحادية في استيعابه.  فما زالت تلهث وراء عودة مستشفيات الأيلولة والتي ثبت في آخر تقرير عُرض على الأخ حسبو محمد عبد الرحمن نائب رئيس الجمهورية، الطفرة الكبرى، والأداء المتميز، الذي قامت به ولاية الخرطوم في تطوير هذه المستشفيات والنجاح الكبير في إدارة مراكز غسيل وزراعة الكُلى، بعد أن آلت هذه المرأكز إلى ولاية الخرطوم، الأمر الذي لا تخطئه العين.  وبعد أن كانت صفوف مرضى الغسيل الكلوي تتمدد، والوقفات الاحتجاجية، لتوقف ماكينات الغسيل، نجد أن الخدمة قد انتشرت في كل أرجاء الولاية حتى لا نجد أحداً في الانتظار.  وما تم في مستشفى الذرة بعد انتقالها إلى الولاية، لدليل ناصع، إذ حوّل فترة انتظار المرضى لتلقي الخدمة من ستة أشهر إلى أقل من أسبوع، بعد عملية الترميم، والإصلاح الإداري، وإعادة الحياة لماكينات العلاج بالإشعاع الذري، واستجلاب الجديد منها.
كي يستقيم أمر مجلس التنسيق الصحي، ويؤدي دوره بفاعليةٍ، فإني أرى أن تكون له سكرتارية تضم في عضويتها شركاء الصحة، ولا تحتكر لوزارة الصحة الاتحادية، على أن تعمل هذه السكرتارية بتنسيق مع وزير شؤون رئاسة الجمهورية، ويكون هو المسؤول عن إنفاذ قرارات المجلس، وتلمس آراء الشركاء، ولا يحتكر الأمر على وزارة الصحة الاتحادية.  وبهذا الشكل يؤدي المجلس دوره الريادي الإستراتيجي والتنسيقي - ولعلنا نحتاج إلى فترة قد تطول قبل أن يستوعب بعض وزرائنا الاتحاديين، الفهم المتقدم والمعاصر للحكم اللامركزي.