الأربعاء، 29 مارس 2017

board

الزكاة بين القواعد النصية والاجتهادات الفقهية (3)

أختتم اليوم (الأحد) الحلقات الثلاث التي خصصتها عن تقرير أداء ديوان الزكاة لثلاثة أرباع عام 2016، بعنوان "الزكاة بين القواعد النصية والاجتهادات الفقهية"، حيث أتطرق اليوم في هذه العُجالة إلى مدى التزام ديوان الزكاة بهذا الفهم المعاصر المتجدد، من خلال إنزال الفهم النصي للزكاة في عملهم الزكوي،

وكيفية استيعابهم لفقه الاجتهاد في تطوير المشاريع الزكوية، لتحقيق مقاصد الزكاة، والإيفاء بمصارفها. فالزكاة والصدقة، اصطلاحاً تعني عطاء من الإنسان المؤمن يمنحها لمن يحتاج لها، فهي تميز صاحبها بحبه للخير والإيمان الصادق، ومن اعتاد على إخراج الزكاة أو إعطاء الصدقة، فهو لا يعرف البخل ولا الكراهية، بل يكون أعلم الناس بضيق وضعف غيره من الفقراء والمحتاجين، ويبارك الله له في ماله ونفسه وأهله، ويحميه من كلّ شرٍ، فهو يعلم أنّ للإنسان الفقير حقٌ في مال الغنيّ، ويساهم في إيجاد نوع من التوازن الاجتماعي والاقتصادي.
والزكاة لغة عند ابن منظور صاحب "لسان العرب"، تعني "النماء والريع والبركة والتطهير". والصدقة، "مأخوذة من الصدق، إذ هي دليل على صدق مخرجها في إيمانه"  . أما تعريفهما في الشريعة الإسلامية، فالزكاة هي التعبد لله عزَّ وجلَّ بإعطاء ما أوجبه من أنواع الزكوات إلى مستحقيها على حسب ما بينه الشرع. والصدقة هي التعبد لله بالإنفاق من المال من غير إيجاب من الشرع، وقد تطلق الصدقة على الزكاة الواجبة.
 وأحسب أنه من الضروري، معرفة الفرق بين الزكاة والصدقة: فالزكاة أوجبها الإسلام في أشياء معينة وهي: الذهب والفضة والزروع والثمار وعروض التجارة وبهيمة الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم. أما الصدقة، فلا تجب في شيءٍ معينٍ، بل بما يجود به الإنسان من غير تحديد. والزكاة يشترط لها شروط، مثل الحول والنصاب. ولها مقدار محدد في المال. وأما الصدقة، فلا يشترط لها شروط، فتعطى في أي وقتٍ، وعلى أي مقدار. والزكاة أوجب الله أن تعطى لأصناف معينة، وهم المذكورون في قوله تعالى "إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ". وأما الصدقة، فيجوز أن تُعطى لمن ذكروا في آية الزكاة ولغيرهم. ومن مات وعليه زكاة فيجب على ورثته أن يخرجوها من ماله وتقدم على الوصية والورثة. وأما الصدقة، فلا يجب فيها شيءٌ من ذلك.
والأصل في الزكاة، كما أوضحه الشيخ الدكتور يوسف عبد الله القرضاوي، الداعية الإسلامي المعروف، ورئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، إنها نظام تشرف عليه الدولة، فالله تعالى يقول "خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ"، حتى لما بعث الرسول صلى الله عليه وسلم، معاذ بن جبل الى اليمن، قال له "تُؤخذ من أغنيائهم"، أي أن الزكاة تُؤخذ من الأغنياء وهي ليست مجرد تبرع. لذلك نجد الإسلام جعل ثلاثة حراس على أداء الزكاة، أولاً: حارس من داخل ضمير المسلم الإيمان هو الحارس الأول. وثانياً: حارس الضمير الاجتماعي، فالمجتمع المسلم لو قصر المسلم يقول له يا أخي حرام عليك، ربنا آتاك المال لماذا لا تدفع الزكاة؟ وثالثاً: الدولة سلطان القانون، وذلك لمن لم يدفعها طوعاً، أُخذت منه كُرهاً، ولكن إذا لم يكن هناك دولة إسلامية تجمع الزكاة أو تُلزِم بدفع الزكاة المسلم. 
وألحظ أن التقرير، تضمن أداء ديوان الزكاة لثلاثة أرباع عام 2016، بشيءٍ من التفصيل، وإن خلا من بعض الإشارات المهمة المتعلقة بحيثيات الاجتهادات الفقهية التي اتبعها في تنفيذ بعض المشاريع الزكوية. كما لمستُ في حديث الأخ محمد عبد الرازق الأمين العام لديوان الزكاة في ذلكم اللقاء، حرصه على تعاون الوسائط الصحافية والإعلامية، في التوعية بأهمية الزكاة في تطهير الفرد، وإشاعة ثقافة التكافل المجتمعي، والفهم الصحيح لمعاني الزكاة ومقاصدها. فلاغرَو أن أفرد التقرير محوراً عن خطاب الزكاة، باعتباره الواجهة التي تعكس الصورة الذهنية لأداء عمل الديوان، حيث كان هنالك بعض أوجه التعاون بين ديوان الزكاة والوسائط الصحافية والإعلامية في تغطية مناشط الديوان وإدارة اللقاءات والحوارات مع الأجهزة الإعلامية بمختلف اتجاهاتها، ونفذ في هذا الاتجاه1.172  منشطاً إعلامياً (التلفزيون – الإذاعة – الصحف والمجلات)، وذلك علي مستوى المركز والولايات. وفي محور الدعوة  نفذت العديد من المناشط ممثلة في الندوات والمحاضرات والدروس ولقاءات عاملين، وكرسي علوم الزكاة، وخطب جمعة، وقوافل دعوية، ومسابقات، وملتقيات أئمة ودعاة... الخ. وقد بلغت جملة هذه المناشط 438 منشطاً. وفي محور التواصل الخارجي والإنترنت، تم نشر أخبار ديوان الزكاة إلكترونياً عبر الموقع إلكتروني للديوان، حيث بلغت عدد القراءات والمشاهدات 90.141 قراءة ومشاهدة، وتفعيل الصفحة الإلكترونية على موقع التواصل الاجتماعي، ورسائل نصية قصيرة تحمل معانٍ ومضامين، تطبيق النظم الآلية بالمكتبة ومركز التوثيق. وفي جانب البحوث والتوثيق والنشر تم الفراغ من إعداد "الكشاف" الذي يحوي على كل توصيات الأنشطة العلمية لديوان الزكاة من عام 1990 حتى عام 2015 والتي بلغت 1.621 توصية مصنفة بطريقة علمية، حسب المناشط بطريقة يسهل الوصول إليها، مما يُغني الديوان من إجراء مزيد من البحوث والندوات والمؤتمرات. 
أخلص الى أن، ديوان الزكاة، كان حريصاً من خلال تقرير الأداء هذا، إلى تأكيد التزامه في العمل الزكوي على اتباع القواعد النصية الشرعية في تحصيل وتوزيع أموال الزكاة، وانتهاج الاجتهادات الفقهية المعاصرة المتجددة، في مواطن توزيع الزكوات التي استجدت، واحتاجت أعمال الفكر والاجتهاد. وألحظ ذلك جلياً، في المشاريع الإنتاجية الفردية والجماعية، إضافةً إلى المشاريع الخدمية، من صحة وتعليم ومياه، ومأوى وتدريب، ودعم برامج الشباب والمرأة، والاهتمام بأصحاب الحاجات الخاصة، وتأهيلهم ليكونوا أعضاء فاعلين في المجتمع.
ومن الضروري الإشارة هنا، إلى أهمية التدريب للعاملين في مواعين الزكاة المختلفة، تحصيلاً وتوزيعاً. وضرورة مضاعفة التواصل مع الوسائط الصحافية والإعلامية، ليس بغرض تغطية مناشط ديوان الزكاة وفعالياته، بل لإشاعة التوعية بفريضة الزكاة، واجباً دينياً، والتزاماً أخلاقياً، وتركيز فهم، أنها ثالث ركن من أركان الإسلام، والمدخل المهم للتكافل المجتمعي، والعمل على نشر ثقافة الزكاة وشيوعها بين أواسط المجتمع، تديناً فردياً، وتكافلاً مجتمعياً.