السبت، 29 أبريل 2017

board

تطرقت في الحلقة الأولى من هذه العُجالة أول من أمس (الخميس) إلى الاجتهاد، شرائطه وضروراته، باعتبار أنه وسيلة مثلى للملاءمة بين الشريعة وبين جوانب من الحياة. وقد بين العلماء متطلبات هذا الاستنباط ومقوماته وضرورياته وحاجياته وتحسيناته، فهو استنباط حكم شرعي من دليل تفصيلي، نجد ذلك موضحاً في كتب الأصوليين. ومن الضروري في المسائل الزكوية أن نفهم فهماً صحيحاً مقاصد الحكم الشرعي، وإحداث قدرٍ من المزاوجة بين قواعد الزكاة النصية ومسائل الاجتهادات الفقهية، في إطار النظر إلى مقاصد الشرع، ومصالح الناس، ومراعاة مستجدات القضايا الزكوية المعاصرة، لتحقيق الإصلاح، وإزالة الفساد في معاملات الزكاة. فالشريعة الإسلامية تهدف إلى بسط العدل، وإشاعة الرحمة. فكل مسألة خرجت عن العدل وعن الرحمة وعن المصلحة وعن الحكمة، فليست من الشريعة، وإن دخلت فيها بالتأويل، كما يقول ابن القيم في "أعلام الموقعين". وسنواصل اليوم (السبت) إبداء بعض الملاحيظ المهمة حول تقرير الأداء لفترة ثلاثة أرباع عام 2016 لديوان الزكاة.
أحسب أنه من الضروري، توضيح قضايا النوازل والمستجدات التي لا يوجد عليها نص في الكتاب ولا في السنة. وقد أجاب على هذا الإشكال، الامام أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي، في كتابه "الاعتصام"، حيث قال: "إن الله تعالى أنزل الشريعة على رسوله صلى الله عليه وسلم فيها تبيان كل شيء يحتاج إليه الخلق في تكاليفهم التي أمروا بها، وتعبداتهم التي طوقوها في أعناقهم، ولم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كمل الدين بشهادة الله تعالى بذلك، حيث قال تعالى: "حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ". لكن جمهور الفقهاء ذهبوا إلى أن هنالك مسائل فقهية ومستجدات معاصرة، أسموها بفقه النوازل من أدق مسالك الفقه وأعوصها، حيث أن الناظر فيها يطرق موضوعات لم تطرق من قبل، ولم يرد فيها عن السلف قولاً، فعلى الفقيه الناظر في النازلة أن يفهمها فهماً دقيقاً، وأن يتصورها تصوراً صحيحاً قبل البدء في بحثها. فالقاعدة أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، ولأهمية هذا الضابط، يقول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه وأرضاه - في كتابه لأبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - في القضاء ".. ثم الفهم الفهم فيما أدلي إليك مما ورد عليك مما ليس في قرآن ولا سنة، ثم قايس الأمور عن ذلك، واعرف الأمثال ثم اعتمد فيما ترى إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق".
وفي رأيي الخاص، أن الديوان في عمله الزكوي حرص على المزاوجة بين النصوص والقواعد الشرعية والاجتهادات الفقهية المعاصرة. وسعى جاهداً إلى تحقيق مبدأ العدالة والمساواة  للجميع في التنافس الحر على الوظائف العامة، وكذلك في تحصيل الزكاوات، وتوزيعها لمستحقيها، نصاَ واجتهاداً. فالتقرير أورد استحقاقات الفقراء والمساكين، بلغت إجمالي الصرف بمبلغ 978,68 858 جنيهاً بنسبة أداء 83.6% مقارنة بالمخطط للفترة ونسبة 81.11% من نصيب المصرف في الجباية الفعلية وحقق نسبة زيادة بلغت 16% عن ذات الفترة من العام 2015 استفاد من الصرف عدد 20.159.17 أسرة. واستحقاقات الغارمين بلغت إجمالي الصرف مبلغ 56.704.810 جنيهات بنسبة أداء 86% مقارنة بالمخطط للفترة ونسبة 83.4% من نصيب المصرف في الجباية الفعلية وحقق نسبة نمو بلغت 30.6% عن ذات الفترة من العام 2015، استفاد من الصرف عدد 10.362 غارماً. أما استحقاقات مصرف في سبيل الله بلغت إجمالي الصرف مبلغ 25.047.648 جنيهاً بنسبة أداء 75.9% مقارنة بالمخطط للفترة ونسبة 73.7% من نصيب المصرف في الجباية الفعلية وسجل نسبة سالبة بلغت 6.1% مقارنة بالصرف في ذات الفترة من العام 2015م استفاد من الصرف عدد 17,139 مستفيداً. ومصرف العاملين عليها، بلغ الصرف على مصرف العاملين عليها مبلغ 272.127.157 جنيهاً بنسبة أداء بلغت 96.3% من مخطط ثلاثة أرباع عام 2016، ونسبة 93.8% من نصيب المصرف في الجباية الفعلية ونسبة 39.2% مقارنة بالصرف الفعلي لذات الفترة من عام 2015. من هنا يتضح لنا جلياً، أن إجمالي الصرف على المشروعات الخدمية والإنتاجية (الصرف الرأسي)، بلغ 266.7 مليون جنيه استفادت منه 101.804 أسرة.
أخلص إلى أن، في لقائنا التنويري مع الأخ محمد عبد الرازق الأمين العام لديوان الزكاة، تحدثنا معه عن الفهم المعاصر المتجدد للزكاة، تحصيلا وتوزيعا. فالمال مال الله تعالى استخلف فيه الإنسان لينفق منه، فإن كان في المال فضل عن حاجته فواجبه أن يثمره، فقد نهى الإسلام عن كنز المال، وحث على استثماره وتنميته بما يؤدي إلى خلق نشاط اقتصادي، ويوفر فرص عمل للمحتاجين والمساكين والفقراء تغنيهم عن السؤال. والمال الفائض إن استثمره وربح فعليه زكاة؛ جزء من الربح. وبهذا الفهم  للزكاة، يتساوى فيها المفروض على المال أياً كانت صورته وأياً كانت سبل تنميته، زراعة أو تجارة أو صناعة أو إجارة أو غيرها، ويسهل بموجبها على المسلم معرفة المتوجب عليه.
وفِي الحلقة المقبلة، أختم بالوقوف على مدى التزام ديوان الزكاة بهذا الفهم المعاصر المتجدد، من خلال إنزال الفهم النصي للزكاة في عملهم الزكوي، وكيفية استيعابهم لفقه الاجتهاد في تطوير المشروعات الزكوية، لتحقيق مقاصد الزكاة. 
ومن الضروري الإشارة هنا إلى قول الله تعالى: "إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ"، فنلحظ ان أول مصارف الزكاة الثمانية هي الفقراء والمساكين، وهذا يدل على أن الهدف الأول من الزكاة هو علاج مشكلة الفقر، وتحويل الفقراء إلى ملاك من خلال مشروعات يجتهدون فيها، بتمويل من أموال الزكاة، التي ينظمها ويقوم عليها، تحصيلاً وتوزيعاً، ديوان الزكاة.