الإثنين، 19 شباط/فبراير 2018

board

(قـوش)..عودة رجل (المفآجات)!!

الخرطوم : محمد جمال
بذات (الدهشة) التي ارتسمت على وجوه المراقبين آنذاك للمشهد السياسي باعفاء الفريق أول صلاح قوش من رئاسة جهاز الأمن والمخابرات الوطني، وذلك بتاريخ الخامس عشر من اغسطس عام 2009م، وبنفس سيناريو الاثارة الذي لم يتوقعه أحد حين أعفي من منصبه،

تكررت ذات (الدهشة) باعادة تعيينه مجدداً مديراً لجهاز الأمن والمخابرات، لجهة أن الرجل صنف من أمهر رجالات المخابرات ليس في السودان فقط وانما في افريقيا، وحينها عاد الرجل الى دائرة الاضواء في قرار وصف بالمفاجئ وغير المتوقع، حينما أصدر رئيس الجمهورية قراراً جمهورياً صباح امس (الاحد)، باعادة الرجل الى منصبه مديراً لجهاز والامن والمخابرات، حيث ادى القسم امام الرئيس البشير ورئيس القضاء حيدر احمد دفع ووزير رئاسة الجمهورية فضل عبد الله فضل ومدير مكاتب رئيس الجمهورية الوزير حاتم حسن بخيت، ليعود صلاح عبد الله لرسم فصل جديد لنفسه ولمؤسسة الجهاز.
مقتطفات من سيرته
وبحسب سيرته الذاتية فإن قوش ولد في عام 1957 بمنطقة (البلل) التابعة لـ قرى نوري بالولاية الشمالية من أب عمل في مشروع الجزيرة الزراعي، حيث تنقل مع والده في مواقع عمله المختلفة، الامر الذي اكسبه ذخيرة متميزة من الثقافة اسهمت في صقل شخصيته.
ودرس قوش المرحلة الابتدائية في عدة مدارس، ثم التحق بجامعة الخرطوم حيث تخرج في كلية الهندسة بدرجة (امتياز)، ومنذ ان كان بالمرحلة الثانوية بمدينة بورتسودان انتمى قوش للحركة الاسلامية آنذاك بزعامة حسن الترابي.
وبعد تخرجه في الجامعة التحق بالعمل (مهندساً) بعدد من المواقع العاملة بالقطاع الخاص، ومن ثم التحق بجهاز الامن في عام 1990 وهي الفترة التي تقلد فيها عدداً من المواقع المهمة، ولعل ابرزها عمله مديراً للعمليات الخاصة بجهاز الأمن ثم مديراً لمجمع «اليرموك الصناعي» للأسلحة عام 1995م، اضافة الى تقلده منصب نائب مدير جهاز الأمن الداخلي في عام 2009م الى ان اصبح مديراً لجهاز الأمن والمخابرات في عام 2002م، ثم مديراً للجهاز بعد دمج الجهاز الخارجي والداخلي في عام 2004م، الى جانب ترأسه مستشارية الامن القومي حتي نوفمبر من عام 2011م، وفي نوفمبر في عام 2012 (اعتقل) صلاح عبد الله مع عدد من الضباط بالامن والقوات المسلحة بتهمة الانقلاب، وسجن وقتها لمدة ثمانية اشهر وافرج عنه لاحقاً بـ (عفو رئاسي). وأميز ضباط المخابرات القيادي بالاصلاح الآن د. اسامة توفيق سرد تفاصيل الافراج عن صلاح قوش حينما كان معتقلاً في عام 2012، ويقول لــ (الإنتباهة) إنه بسبب اعتقال الاخير خسر علاقته بمدير مكاتب رئيس الجمهورية آنذاك الفريق طه عثمان.
واضاف توفيق ان لجنة الوساطات التي ساهمت في اطلاق سراحه كان فيها اخوته، كاشفاً عن حمله رسالة خاصة من قوش لرئيس الجمهورية، وبعد الرسالة التي لم يشأ اسامة الكشف عن تفاصيلها صدر قرار الاعفاء الرئاسي على حد تعبيره، واضاف ان اعيان الشايقية جلسوا مع السيد الرئيس وتناولوا معه شاي المغرب، واعلن لهم الرئيس حينها أن صلاح سيصوم معهم بعد غداً. ووصف توفيق صلاح بانه من أميز ضباط جهاز الامن والمخابرات طيلة عهد الانقاذ، حيث يمتاز بـ (ذكاء خارق) بجانب قدرته الفائقة على التعامل مع الاحداث، مشيراً الى ان فترته شهدت نجاحات كبيرة في عهده.
وعن فترته بمستشارية الأمن القومي يقول د. اسامة توفيق إن فترة الرجل بالاستشارية انجز خلالها صلاح اختراقات كبيرة جداً تحسب له مع المعارضة، وبدأ الحوار معهم وأضاف قائلاً: (فترة وجوده لست سنوات خارج السلطة ومشاركته للناس اجتماعياً وسياسياً وحتى على مستوى الاسافير بوجوده في مجموعات والواتساب والويب وايمانه التام بالاصلاح، ستكون خير معين له لفترته الثانية، وحقيقة صلاح حاول يعمل (اختراق) باصلاح الوسط السياسي خلال فترة توليه مستشارية الامن القومي). ويرى محدثي ان اول مهام قوش عقب تقلده منصب مدير الجهاز هو مواصلة ما بدأه بعملية اصلاح الوسط السياسي والحوار مع المعارضة بصورة تقود الى ازالة سوء الفهم بين القوي السياسية. ويواصل توفيق ويقول إن علاقة البلاد مع الولايات المتحدة الامريكية سيكون لـقوش اثر بالغ فيها، لجهة ان له سبق فتح نوافذ الاتصال مع واشنطن في سنوات خلت. ويرى توفيق أيضاً ان أبرز التحديات التي ستواجه قوش هي من ذات المجموعة التي ساهمت في ابعاده عن المشهد، حيث سيواصلون في عرقلة مسيرة الرجل، ولكن اسامة عاد وقال إن السنوات الست التي جلسها خارج المنظومة ستجعل لصلاح رؤية مختلفة قطعاً ستساهم في أن يكون اكثر قوة وحسماً ونضجاً، ودعا توفيق صلاح إلى ان يواصل مسيرة الاصلاح السياسي والتوفيق بين القوى السياسية لإحداث مصالحة وطنية شاملة، متوقعاً أن ينجح بصورة كبيرة خلال فترته الثانية.
اما الكاتب الصحفي فتح الرحمن النحاس فقد علق لــ (الإنتباهة) بأن خطوة صلاح قوش هي خطوة اولى لاعادة الحرس القديم لمواقع القيادة في هذا المنعطف الوطني الحرج الذي يحتاج الى ادبيات جربت من قبل لمواجهة التحديات السياسية والاقتصادية والامنية الماثلة امامنا، واعتبر محدثي فترة وجود صلاح قوش على رأس جهاز الأمن بمثابة (فترة الصقور)، حيث كان يمتاز بالشدة والحزم، ولكنه عاد وقال إن الايام كفيلة بأن تقيّم تجربته الثانية خلال الفترة المقبلة.
ملاحقات متكررة
والتصق لقب (قوش) بمدير جهاز الامن والمخابرات صلاح عبد الله ايام دراسته، حيث لقبه زملاؤه تيمناً بـ (قوش) عالم الرياضيات الهندي، وذلك بعد ان اظهر صلاح ذكاءً وطموحاً غير محدود خلال تلك الفترة. ولا يعشق قوش الظهور عبر وسائل الاعلام، غير ان (الانتباهة) نجحت في استنطاقه بعد سنوات من (الصمت)، وذلك في اكتوبر من العام الماضي 2017م في حوار اثار ضجة كبرى، حيث قال إنه رضخ للاستجابة للحوار بعد الملاحقات المتكررة، حيث قال بالنص: (اولاً شكراً الأخ قندول على هذا اللقاء، وعلى الرغم من محاولاتي للابتعاد عن الاعلام، إلا أن ملاحقاتك المتكررة افسدت علي حفاظي على ما درجت عليه الا من حين لآخر، في توقيتات محسوبة وموضوعات حية)، وبدا واضحاً ان قوش مازال يؤمن باهمية الاصلاح بالدولة والسياسة، حيث تطرق اليها كثيراً في حوار (الإنتباهة) معه، حيث قال: (الإصلاح سمة ملازمة لحياة الأمم، وهي الفكرة التي تلازم مراحل الصعود أو الانعطافات الحادة بتاريخها، وهو ليس تبجحاً ولا متناهياً يخفي عجزاً في الواقع، بل أنه توجه لزيادة كفاءة الفعل المفعم بالطاقة والنشاط واختصار الطريق، ويعجل بالمرور إلى برنامج عمل ينتقل بنا من النظرية الى الممارسة، وانتهاج طرق في الإدارة والإشراف أكثر كفاءة لحالة تحظى بالتحكم الجيد بصورة أكثر قابلية للتجديد والتعديل، بغرض إقامة واقع جديد معدل. والفهم الموضوعي لقضية الإصلاح يتطلب دراسة تشريحية دقيقة للمقدمات الحقيقية لقضايانا المتعددة، واعتبار أن ذلك يمثل المادة النظرية التي ينصب عليها إصلاح الدولة الذي ينشده الرئيس)، وكان لافتاً أن صلاح طيلة فترة ابتعاده عن المناصب التنفيذية رغم صفته نائباً لمنطقته بالمجلس الوطني، لم يتطرق للحديث بعداء ومرارات مع قيادات الحزب الحاكم رغم اعتقاله، الى جانب تأكيده الدائم على انتمائه للانقاذ، حيث قال: (انا مليء باليقين الذي لا يتزعزع بشراكتي الأصيلة للإنقاذ.. يصيبني ما أصابها انجازاً او اخفاقاً. ولكن دائماً بين مراحل التطور والتحول صحراء وفراغ سحيق، وللأسف نشط فيه ساقطون).
وايضاً في افاداته لبرنامج (الوجه الآخر) في عام 2013م تطرق قوش للحديث عن الاصلاح السياسي حينما دعا الرموز السياسية التي نالت فرصها في الحكم مثل رئيس حزب الامة القومي الصادق المهدي والامين العام الراحل الشيخ حسن الترابي وغيرهم، الى ضرورة افساح المجال للأجيال الجديدة لتدير الشأن السياسي
الاصلاح السياسي والاقتصادي
ويرى المراقبون ان اعادة قوش الى الواجهة بصورة مفاجئة تشير بصورة واضحة الى ان هناك معطيات دعت رئيس الجمهورية الى هذا القرار، مع توقعات بأن التغيير سيطول عدداً من الوزراء في عملية الاصلاح السياسي والاقتصادي خلال الفترة المقبلة. ويشير المراقبون الى ان ابرز التحديات التي ستواجه الرجل كيفية المساهمة في ضبط الايقاع للساحة السياسية ولحزبه الحاكم المؤتمر الوطني، بجانب العمل ضمن منظومة الحرب على الفساد التي برئاسة الرئيس المشير عمر البشير.. تلك الحرب التي بدأت معالمها تتضح بصورة فعلية بعد الأزمة الاقتصادية الاخيرة التي ادت الى ارتفاع اسعار العملات الصعبة.
واشار المراقبون الى ان قوش سيكون تحت ضغط طيلة الفترة المقبلة، لجهة أن الرجل سيكون محاطاً بتاريخ فترته الاولى التي يصفها المراقبون بالناجحة، مع اختلاف المعطيات والأشخاص والمشهد برمته.