الإثنين، 19 شباط/فبراير 2018

board

الخـــطــــة (ب)

معتز محجوب
(لست مثل أولئك الذين لا يعودون ليفكروا في ما صنعوا بأيديهم، ويصيغون عبارات ومواقف غير أخلاقية في إعفاء أنفسهم عن جميع التبعات والقائها على الآخرين، لست كذلك فأنا مليء باليقين الذي لا يتزعزع بشراكتي الأصيلة للإنقاذ.. يصيبني ما أصابها انجازاً او إخفاقاً)..

جل ما سبق مقتطف من حوار أجرته (الإنتباهة) مع مدير جهاز الامن الفريق اول صلاح قوش، ولعل القارئ للحوار يوقن بأن قوش كان يحضر نفسه لشيء قد يكون مفاجئاً للكثيرين الا له هو، فابن جهاز الامن القوي الذكي وأحد مؤسسيه بشكله الحديث القوي الحالي، لم يكن يفعل كعادة المغاضبين عندما تتم اقالتهم، فيسارعون للغضب وللبصق في الاناء الذي طعموا منه، فقوش لم يفعل ذلك ولم يغضب وانما استدعى حكمة ودهاء رجال الأمن الاقوياء، فقابل كل المحاولات العديدة التي حاولت جره للخروج من الحزب ومن الانقاذ بالصمت فقط، فبعد اعفائه في اغسطس 2009 لم يغضب ولم يظهر خروجاً على النظام كما كان يتوقع البعض، وبعد اقالته من مستشارية الأمن ايضاً لم يفعل ذلك، وحتى عندما تم التصعيد العنيف تجاهه في نوفمبر 2012 عندما اعتقل مع عدد كبير من الضباط في جهاز الامن والجيش ابرزهم العميد ود ابراهيم لم يفعل ذلك، وحينها ذهب الى اهله في مروي الذين احتفلوا به وتوقعوا منه ان يكيل الشتائم للنظام الذي انقلب عليه، فبعد ان كان يحميه ويعتقل مناوئيه ويدافع عنه في كل المحافل زجوا به في المعتقل لاكثر من (8) اشهر، فلم يفعل شيئاً وزاد هدوءاً وحكمة وصمتاً، فرد على اهله في الاحتفال بتذكيرهم بأنها سنة الحياة ونواميسها الثابتة، وتلى عليهم قوش وذكرهم بآيات من سورة يوسف، والذي يبدو انه يربط بين مصيره وما حدث لسيدنا يوسف وقال لهم: (لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ (7) إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ (8) اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (9) قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ(10) .... ثم تلا عقبها الآية (56) من ذات السورة ( وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ).. لعل مثل هذا الصمت الذي اثمر الآن عودته لسدة الجهاز ابان للجميع لماذا صمت.
ولعل الرئيس عندما اعاد قراءة الاحداث من حوله من جديد بعمق من حيث الاوضاع الداخلية الاقتصادية والاقليمية والدولية، ظهر له جلياً ان حرباً ضخمة تقاد ضد البلاد.. حرب من اصحاب (النظارات السوداء) حرب مخابرات ضخمة اذرعها في الداخل والخارج وفي الجوار، فاعاد التفكير كرتين واكثر، فلم يجد حينها من يستطيع ان يحارب معه مثل رجله القوي الذي ربما كان يعده لمثل هذه المهمة باختبار جلده وصبره، فمن يقارع او يجالد الاذكياء غير قوش الذي اقرت له امريكا بعلو كعبها بأنه الافضل والاخطر في المنطقة، فاضطرت عندما كان في سدة الجهاز الى ان تهادنه وتحالفه، فتحول الجهاز ابان كان على رئاسته الى اقوى اجهزة المخابرات في العالم، وتحول للاعب اساسي في اية مباراة للاذكياء .
 ويبدو أن الرئيس كان واضحاً في خطاباته الاخيرة في الدفاع الشعبي وبورتسودان عندما قال ان هناك حرباً نفسية واقتصادية ضد السودان، وحذر حينها في بورتسودان من سماهم (القطط السمان) ومخربي الاقتصاد وتجار الدولار ومزوري العملة سواء في الداخل او الخارج باجراءات غير (ناعمة) ستطولهم ان لم ينتهوا عما يفعلونه، واكد لهم انه يمتلك الخطة (ب)، ولعل المؤكد ان اول الحروف المكتوبة في الخطة (ب) عودة ابن الانقاذ القوي قوش. ويبدو ان قوش سيتولى تنفيذ هذه الخطة التي اتوقع الا  تكون ناعمة على الاطلاق، فتزوير العملة يحتاج لرد قوي، وتجارة الدولار تحتاج لقرارات حاسمة، والقطط السمان السودانية تحتاج لـ (ريتز كارلتون) سوداني على غرار ما قام به ولي العهد السعودي محمد بن سلمان تجاه القطط السمان في بلاده الذين امتصوا بلايين المليارات من الدولارات، وعندما رفضوا اعادتها للمملكة اضطر لاعتقالهم لاجبارهم على اعادة ما سرقوه، ولعل من المرجح ان يكون احد الادوار المطلوبة من قوش ــ ولعله مطلب شعبي ايضاً ــ ان يقوم بارجاع ما اخذته قطط السودان السمان دون مراعاة لمجاملة أو محسوبية.
ويرجح البعض ان تكون عودة قوش مؤشراً قوياً لعودة ما يسمى اصطلاحا الحرس القديم من قادة الانقاذ، الا ان المحلل السياسي ورئيس تحرير الزميلة (الوفاق) رحاب طه ــ وهو من المقربين جداً لمدير جهاز الامن قوش ــ يرى عكس ذلك تماماً، ويؤكد اولاً ان عودة قوش في ذاتها ليست مفاجئة، ويدلل على ذلك بأن اي متابع لما يدور في الاقليم او خارج الاقليم لا يستغرب هذه العودة، فقوش قد تربى في كنف المؤسسة الامنية التي تلعب دوراً كبيراً في هذه العلاقات، ويوضح رحاب ان قوش يخلف الفريق اول محمد عطا وهو خير خلف لخير سلف، ويؤكد لـ (الإنتباهة) ان عطا (عبر) بجهاز الأمن  في ظروف عصيبة ونجح في ذلك، وهو الآن ــ اي عطا ــ يسلم الراية لأحد اخوته، ويؤكد ان التغيير اقتضه ضرورات، وينفي رحاب بشدة ان يكون التغيير في اطار اعادة الحرس القديم، وينفي اصلاً وجود هذا المسمي، ويقول: (لا يوجد حرس قديم او جديد)، ويدلل على ذلك بعودة ابراهيم احمد عمر لرئاسة البرلمان بعد ان كان من اساطين الانقاذ الاوائل، ويعد رحاب كلمة الحرس القديم كلمة حق اريد بها باطل، فقد ابعدت الكفاءات في الحزب وجاءت بشباب تنقصهم الخبرة، ويوضح ان عودة نافع او علي عثمان ــ ان عادوا ــ لا نسميها عودة الحرس القديم، وانما (صحوة) من قيادة الانقاذ لاعادة الكفاءات. ويجزم رحاب بأن الاصلاح يحتاج للكفاءة، ولا يمكن القيام بالاصلاح بابعاد الكفاءة، ويذهب رحاب في عودة قوش الى ابعد من ذلك ويطمئن اعداءه بأن ما يميز قوش ان قلبه كبير، وينفي ان يكون قوش يسعى للتنكيل بمن ناصبوه العداء، ويدلل على ذلك بخطابه عند اطلاق سراحه بعد الاعتقال في دائرته في مروي، فحينها اعلن قوش عفوه عن كل من ظلمه، وجزم رحاب بأن قوش متفائل ولا ينظر للصغائر ويتسامي فوق الخلافات.
حسناً.. كتب احدهم في احد المواقع الالكترونية عن عودة قوش مشبهاً الأخير بطائر (الفينيق) الأسطوري الذي ينتفض من رماده ويطير محلقاً من جديد، ولعل ازاحة قوش على قول هذا الكاتب لم تكن سوى مشهد من مشاهد الفيلم، وقطعاً ليست نهاية الفيلم، ويبدو ان قرار الرئيس قد أكد ذلك، وذهب الى ان النقطة الأخيرة على السطر لم تتم كتابتها بعد في ملف قوش.