الثلاثاء، 22 أيار 2018

board

جنوب السـودان..من الانفـصال لمسلسل الحرب و التطهير القبلي

تقرير: ملوك ميوت
يحل العام الجاري على شعب دولة جنوب السودان كما كل عام بأعياد تذرف فيها الدموع وتنزف الدماء وما زال البلد تتلاطم فيه أمواج الأزمات والاضطرابات و الحروب الأهلية تخيم بظلالها القاتمة تتعاقب، وعيون الابرياء العزل تتمنى أن تبصر فجراً حقيقياً يستنشقون فيه عبير الأمن بدل دخان البارود ،

و يرون اخضرار الاطمئنان بدل دماء الحرب ويسمعون فيه أصوات التوائم بدل ضجيج الحقد والكراهية وحلم يراودهم ليعيشوا تحت ظل دولة، ويبدو أن إدراك هذا الفجر لايزال يتطلب الطريق له المزيد من التضحيات، ما يعني المزيد من الدماء التي لا تبشر سوى بالمآسي وآلامها المبرحة فقد اقبل العام 2018 تزامناً مع انطلاقات تحرير نفوس قادة الدولة التي لم تجف دماء الابرياء الذين سقطوا دون مقابل بسبب انتصارات قبلية واهمة تظل سوداء خالدة على صفحات تاريخ دولة جنوب السودان ،التي تدحرجت من مسرح الانفصال في 2011 وانتقلت لحلقات من مسلسل الحرب الاهلية والتطهير العرقي.
ضرورة العقوبات
يقول الناشط الحقوقي جوكوني شارلس كدين ان التوقيع على اتفاق وقف العدائيات هي فرحة دفع مقابلها شعب جنوب السودان أرواح الابرياء الذين تساقطوا امام (ساسة الصدفة) وتجار الدم بعد ان دفعت الحرب الملايين من الابرياء للنزوح وخلفت الاف القتلى واصبح المواطن العادي يواجه في جنوب السودان أصعب أيامه على يد قيادات (الصدفة) بالحركة الشعبية ومن معهم ومن يدعمهم من الذين هربوا بثروات الابرياء الى الخارج ،بعد ان هتكوا العرض والارض فكل شيء بات مستباحاً لهم بمساعدة قلة من مدعي الوطنية ، ويضيف الناشط الحقوقي ان حكومة سلفاكير اصبحت غير قادرة على تضميد جراح الابرياء ولا تمرد رياك مشار يشفي الغليل فكلاهما وجهان لعملة واحدة، ونتمنى من المجتمع الدولي ان يفرض عليهم جميعاً عقوبات وملاحقات وتقديم كل متورط الى العدالة نتيجة عمليات القتل و التشريد فالحكومة تقوم بالخروقات وتتهم المعارضة التي تتهم بدورها الحكومة، وبين هذا وذاك يصبح المواطن هو الذي يدفع الثمن غالياً ،يجب ان تترجم العقوبات التي طرحتها الادارة الامريكية على ارض الواقع لانقاذ المواطن الذي صار ضائعاً بين المعارضة والحكومة.
اتهامات بعد ساعات
خلال جلسة افتتاح قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الثلاثين في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا نهاية الشهر الماضي، أكد رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي موسى فكي محمد، أن الوقت قد حان لفرض عقوبات على قيادات جنوب السودان مندداً بالحرب الوحشية غير المعقولة وغير المسؤولة والعنف الأعمى بين الأطراف المتنازعة منذ ديسمبر 2013، وطالب بفرض عقوبات على الذين يعرقلون جهود السلام في جنوب السودان معتبراً ان هذا الملف الأكثر استعصاءً الذي يواجه القادة الأفارقة خلال اجتماعهم في إثيوبيا، وقال فكي ان جنوب السودان شهد بعد عامين فقط من الانفصال ابشع جرائم ضد الانسانية في القارة الافريقية ،قُتل خلالها عشرات الآلاف من المواطنين الابرياء ونزح نحو أربعة ملايين شخص فيما يعاني الملايين من الجوع في ظل أزمة إنسانية، يُتوقع أن تزداد سوءاً مع حلول موسم الجفاف، ومن المؤسف ان يستمر القتال ويزداد شراسة بعد الجهود التي أثمرت لإحياء اتفاق السلام الذي أبرم عام 2015 لكنه لم يستمر سوى ساعات قبل أن يتبادل الأطراف الاتهامات بخرق الهدنة.
استخفاف بالهدنة
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس ،تعهد ان يدعم أي مبادرة أفريقية من أجل رد أقوى على الاستخفاف بالهدنة، وأشار غوتيريس إنه إذا لم يتم احترام وقف الأعمال القتالية فنحن متوافقون جميعاً على وجوب اتخاذ إجراءات أكثر شدة لضمان احترام ذلك.
حظر السلاح
أما الولايات المتحدة الداعم الأبرز لانفصال دولة جنوب السودان، وأكبر المانحين، فدعت مجدداً الأسبوع الماضي أمام مجلس الأمن إلى فرض حظر على وصول السلاح إلى دولة جنوب السودان بعد ان فرضت من جانبها حظراً على السلاح على حكومة جوبا، وطالبت مجلس الامن الدولي ببذل كل الجهود الدبلوماسية مع كل دولة تتورط في التعاون مع حكومة جنوب السودان خاصة يوغندا وكينيا ،بعد ان فشلت جهود سابقة لفرض حظر السلاح وتوسيع العقوبات إلا ان بعض الدول الأعضاء اعتبرت ان هذا التحرك سيأتي بنتائج عكسية على جهود السلام.
الضغط بالنهج الموحّد
من جانبه دعا رئيس لجنة مراقبة وتقييم اتفاق السلام في جنوب السودان فيستوس موغاي، إلى فرض عقوبات بحق الأطراف المعرقلين، وحض الأعضاء الثمانية للهيئة الحكومية للتنمية في شرق أفريقيا (إيقاد) التي تضم جيبوتي وإريتريا وإثيوبيا وكينيا والصومال والسودان و يوغندا على المحافظة على نهج موحد من أجل نجاح عملية إحياء "اتفاق السلام" وعلى جميع قادة جنوب السودان أن يعوا بوضوح عواقب عدم الامتثال.
من الانفصال للحرب الأهلية
بعد التوقيع على اتفاقية وقف العدائيات أمر قائد المعارضة المسلحة د.رياك مشار قواته بوقف كل الأعمال العدائية وقال في بيان إن على القوات أن تبقى في مراكزها وأن تطلق النار فقط دفاعاً عن النفس أو لصد أي عدوان ،ولكن بعد مرور ساعات من التوقيع على تلك الاتفاقية اندلعت المواجهات بين الطرفين مجدداً بصورة اعنف واشرس من سابقاتها وهذه الجولة الأخيرة من محادثات السلام، التي وصفتها الأمم المتحدة "بالفرصة الأخيرة" لتحقيق السلام في البلاد، دعت إليها الهيئة الحكومية للتنمية في شرق أفريقيا (إيقاد) لإعادة تفعيل اتفاق 2015.وشاركت في المحادثات كل من حكومة سلفاكير و فصائل معارضة مسلحة التي ظهرت بعد يوليو 2016 .
الخيار الأخير
الناشط برنس بول يقول إن الوصاية الدولية بواسطة القوات الأممية إلى جنوب السودان، تبقى الخيار الاخير بعد ان أثبتت حكومة جنوب السودان برئاسة سلفاكير ونائبه تعبان دينق قاي فشلها في إدارة الدولة وعدم قدرتهم لقيادة السفينة والخروج من هذا المأزق، على الرغم من أن المجتمع الدولي و دول إيقاد ودول الترويكا قدموا فرصة لحكومة سلفاكير ونائبه تعبان دينق قاي لكي يثبتوا أنفسهم سياسياً وعسكرياً ويقوما بحسم الصراع الدائر في جنوب السودان لكن للأسف لا شيء جديد يذكر غير أنه زاد الطين بلة، وبهذا الفشل أدرك المجتمع الدولي ومنظمة إيقاد بأن هذا الصراع لن ينتهي إذا لم يكن هناك وجود لزعيم المعارضة المسلحة دكتور رياك مشار بعد أن خدعهم تعبان دينق بقدرته على قيادة السفينة إلى بر الأمان وتنصيب نفسه البديل الوحيد القادر أن يحسم الصراع الدائر في جنوب السودان لكن بعد هذا انهارت الدولة أكثر مما كان في السابق وإزداد القتل وتشريد المواطنين ما أدى إلى تفاقم المجاعة، ويضيف (برنس) ان تعبان دينق لا يمكن أن يكون بديلاً لرياك مشار ،كما أنه ليس له جيش ووجوده في جوبا خطر للمجتمع الجنوبي ككل لأنه لا فرق بينه وبين حكومة سلفاكير و يعملان سوياً ويقومان بانتهاك الاتفاقية التي يزعمون تنفيذها، لذا عودة زعيم المعارضة المسلحة دكتور رياك مشار للساحة السياسية جيدة وقد تكون لمصلحة الشعب الجنوبي ككل ،لأنه هو المعارض الأكثر تأثيراً وتأييداً من قبل الشعب الجنوبي، كما أن وجوده عسكرياً على أرض الواقع مؤثر لذلك عودة رياك مشار أفضل بكثير و بوجوده يكون هناك حل لهذا الصراع، بشرط أن تكون هناك إرادة سياسية من قبل أطراف الصراع وقبول التنازلات من أجل إحلال السلام وعودة الأمن والاستقرار وإحياء اتفاق أغسطس عام 2015 الحل الوحيد للخروج من هذا المأزق ،ولكن نجد ان الشعب الجنوبي في واد وسلفاكير وزمرته في واد آخر.
الفرصة الأخيرة
يقول الاكاديمي واستاذ العلوم السياسية بجامعة جوبا، الدكتور جيمس اوكوك، ان مبادرة الهيئة الحكومية للتنمية بشرق افريقيا (ايقاد) الرامية لاعادة احياء اتفاق السلام الموقع بين الحكومة والمعارضة المسلحة بدولة جنوب السودان لاحياء اتفاق سلام اغسطس من العام 2015 ، تمثل الفرصة الاخيرة امام الاطراف المتحاربة لوقف الحرب وتحقيق السلام و الاستقرار، واشار اوكوك، الى نفاد صبر المجتمع الدولي نسبة لعدم التزام الاطراف بتنفيذه واستمرار اعمال العنف المسلح وتراجع الوضع الانساني في مناطق النزاع. واضاف : السلام هو الخيار الوحيد ، لانه افضل من بقية الخيارات الاخرى بما فيها الوصاية الدولية، لذلك فان المخرج من الازمة الراهنة سيكون الالتزام بمخرجات منبر اعادة احياء اتفاق السلام لانه سيكون الفرصة الاخيرة لانقاذ اتفاقية السلام الموقعة بين الاطراف المتصارعة في جنوب السودان. وشدد اوكوك على جاهزية المجتمع الدولي لدعم العملية السلمية، حال توافر الارادة السياسة لدى الاطراف المتحاربة واصحاب المصلحة، لان صبر المجتمع الدولي بدأ في النفاد، لذللك بات يتعامل مع مبادرة الايقاد كآلية لوقف القتال.
يبقى السؤال؟
السؤال المطروح حالياً بعد فشل الاطراف بدولة جنوب السودان في وقف القتال وخرق الاتفاق مع توقف مفاوضات اديس ابابا بسبب تعنت الوفد الحكومي، هل يمكن لطرفين فشلا في استعادة السلام في جنوب السودان أن يفعلا شيئاً منتجاً إيجابياً في إطار نظام الوصاية الدولية حال فرضت على الدولة؟، فحسب المراقبين أن الامور لا يتم حسابها على هذا النحو, فخطة الادارة الامريكية مبنية على أساس إدخال الاتحاد الأفريقي طرفاً في تطبيق الوصاية على دولة جنوب السودان جنباً إلى جنب مع الأمم المتحدة في سابقة قد تعد الأولى من نوعها للمنظمة الأفريقية منذ إنشائها , وهو تصرف قُصد منه صد أي معارضة محتملة من دول الاتحاد الأفريقي على رأسها جنوب أفريقيا التي ترفض وبقوة مسألة وجود قيادة عسكرية أمريكية لأفريقيا, بجانب مقاومة متوقعة عند التصويت عليه بفرض طرحه في الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن وداخل الاتحاد الأفريقي ذاته, وغالباً ما ستكون المعارضة الأفريقية مؤسسة على اعتبارات قانونية وسياسية فقط , فالعامل المالي أو التمويلي لن يثيره الأفارقة إذ ان معظم عمليات حفظ السلام التي يدشنها الاتحاد الأفريقي ممولة من الولايات المتحدة والمانحين الدوليين, فعمليات حفظ السلام الأفريقية ومبادرة نيباد وغيرها من برامج للاتحاد الأفريقي الاخرى تعتمد على المساعدات , لكن هناك ثمة دافع كامن لدى الأفارقة أو أغلبهم وهو الخشية من تطبيق مُقترح الوصاية مطوراً أو معدلاً على دولة جنوب السودان ويتحول حال نجاحه إلى نموذج يحتذى أو تقليد يحاكى فيما بعد في صراعات أخرى بأفريقيا الثرية بنزاعاتها وصراعاتها داخل دول كثيرة، وحتى لا ننسى هناك سوابق تضاهي حالة جنوب السودان في الكنغو ورواندا وبورندي وحالياً في شرق الكنغو الديموقراطية ومن ثم فستصبح سيادات دول كثيرة على المحك.