الثلاثاء، 22 أيار 2018

board

حرفيون في مواجهة خطر إصابات العمل

منى النور
يواجه حرفيو السودان جملة من التحديات والمخاطر والتي تأتي السلامة المهنية على رأسها، إذ يعاني معظم الحرفيين من التعرّض لإصابات عمل تتدرج ما بين إحداث الأذى البسيط إلى أن تصل الوفاة

وما بينهما إصابات بالغة وأخرى تسبب العجز الكلي أو بتر أحد الأطراف ومن ثم الخروج من سوق العمل، والسودان ليس بعيداً عن المحيط الإقليمي في هذا المجال إذ شكّلت إصابات العمل فيه نسبة مقدرة من الحرفيين، ولمعرفة المزيد حول هذه القضية وقفت (الانتباهة) على حجم الإشكالية مسترشدة بإفادات حرفيين وقيادات نقابية وخبراء في المجال وتقارير رسمية من الجهات المعنية.
مدخل أول
عالمياً تعكس الأرقام الصادرة عن منظمة العمل الدولية ومنظمة الصحة العالمية أن نحو أربعة آلاف شخص يتوجهون يومياً لمواقع عملهم ولا يعودون لعائلاتهم بسبب حادث عمل قد يودي بحياتهم، اضافة لتعرّض ملايين العمال لأمراض مهنية مزمنة وأخطار متنوعة في بيئة العمل وتشير الإحصاءات الى أن حوادث العمل تبلغ سنوياً (250) مليون حادث من بينها نحو مليون حادث مميت و(365) ألف حالة وفاة ناتجة عن أمراض مهنية، ولا يختلف الواقع في البلاد كثيراً فبحسب آخر الإحصاءات فإن نسبة إصابات العمل التي ادت الى العجز الكلي خلال السنوات الثلاث الماضية بلغت (1757) إصابة، الامر الذي يتطلب قدراً عالياً من الحذر للعاملين في ظل انعدام مبدأ السلامة والصحة المهنية .
عمال يشتكون :
آثرنا ان نستمع اولاً لافادات المعنيين بالامر فجلسنا الى العامل الحرفي إبراهيم سالم الذي يعمل في مجال التشطيب الداخلي فشكا لـ(الانتباهة) من انعدام وسائل السلامة واعتبرها من أكبر الإشكلات التي تواجه عمال القطاع، حيث يتعرض العمال في قطاع الدهانات والجبص والبوهيات وأعمال السمكرة لكميات كبيرة من المواد الكيميائية، مؤكداً أنه في حال تعرض الحرفي للإصابة أثناء ساعات العمل لا يجد من يعالجه مستشهداً بتجربة أحد زملائه الذي أصيب بكسر في الحوض أثناء عمله ولم يجد من يقف معه أثناء مرضه، بينما تعرض آخر لاصابة في يده بـ(الدربكين) مضيفاً أن هناك بعض الإصابات تسبب الإعاقة المستديمة ما ينعكس سلباً على دخل العامل والوضع الاقتصادي لأسرته شاكين من عدم توفر بطاقات علاجية تكفيهم غلاء العلاج.
واتفق معه العامل حسن موسى الذي يعمل في مجال حفر الآبار مع الحديث السابق مشيراً لانهيار عدد من الآبار الامر الذي تسبب في وفيات وإصابات بالغة للعمال دون تعويض ذويهم أو نقابة تقف معهم مناشداً بضرورة تنظيم قطاع الحرفيين لضمان حقوق العمال. ويروي الشيخ جبر الدار الذي وجدته يحمل يده بسبب الاصابة وهو في طريق عودته للمنزل قال بصوت حزين إنه في حالة معاناة منذ سنوات دون أن يجد من يمد له يد العون وقد تعرض لاصابة بالغة في ساعده الايمن قادت لتوقفه عن العمل تماماً ولا يزال يشكو من الاصابة مؤكداً أن القطاع الحر من أكثر الفئات التي يوجد بها إصابات دون أن يجد الحرفي من يدعمه. ويروي الحاج احمد معاناة زملائه الثمانية الذين انهار بهم سقف اثناء صب الخرصانة الامر الذي قاد لاصابتهم جميعاً بكسور .
الاهتمام بالمخاطر وضمان الحقوق
أمين القطاع الحرفي بنقابة عمال السودان شيخ حسن عبد الكريم قال في حديثه لـ(الانتباهة) إن السلامة والصحة المهنية، تعد من أهم شروط العمل كونها تضمن للعامل حقوقه مؤكداً أن السلامة تهتم بالمخاطر بغرض المحفاظة على الممتلكات من خطر التلف لافتاً الى أن النتائج المترتبة على اصابات العمل تنقسم لمباشرة وغير مباشرة مشيراً الى أن المباشرة تتمثل في الإصابات التي تصيب العامل بالعجز الكلي او الجزئي او حالات الوفاة للعامل وتنشأ نتيجة لظروف عمل خطرة لعدم اتباع السلامة والصحة المهنية في مواقع العمل، اما غير المباشرة فهي ذات طابع اقتصادي حيث تظهر الخسائر المادية التي تقع في مواقع العمل والإصابات والأمراض المهنية نتيجة لظروف العمل غير الآمنة مشيراً لاصابة البعض بامراض الصدر جراء طبيعة العمل وغيرها من الإصابات ,ويعرف شيخ حسن الضرر بانه الضرر الذي يسبب الإصابة المباشرة التي يتعرض لها العامل في حال كان في طريقه للعمل او عائداً منه دون توقف مشيراً الى أن الهدف من تطبيق إجراءات السلامة الوصول لنتائج عالية من السلامة من خلال درء المخاطر، مضيفاً أن الحماية تتمثل في إزالة المخاطر من منطقة العمل لتقليل نسبة الخطر للحد الادنى اذا لم تتم ازالته كلياً بتوفير معدات الوقاية الشخصية عند استحالة تقليل الخطر .مؤكداً أن دورهم كنقابة يتمثل في تدريب وتبصير العمال بالمخاطر مشيراً لعدم توفر احصاءات بعدد اصابات العمل وسط الحرفيين مضيفاً بانه تقليلاً للمخاطر تم إدخال (11) ولاية تحت مظلة التأمين الصحي وتعد ولاية الخرطوم من الولايات المتأخرة في تأمين القطاع الحرفي.
تطوير تشريعات :
الخبير والمحلل الاقتصادي هيثم محمد فتحي قال لـ(الانتباهة) إن معظم الدراسات اظهرت ضرورة عدم النظر للصحة والسلامة كتكلفة فقط بل كاستثمار، فكل ما يُنفق في هذا المجال يولد استثماراً حقيقياً بقيمة مالية عن طريق المحافظة على رأس المال البشري، مضيفاً بأننا لانزال في حاجة ماسة لتطوير ثقافة السلامة المهنية والارتقاء بها وببيئة العمل داخل منشآت القطاع الخاص والعام، ونشر أهمية تحسين البيئة وفقاً لأعلى المعايير الدولية في هذا الشأن السلامة والصحة المهنية في العمل، وذلك لتأثيرها الايجابي على ظروف العمل والإنتاجية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية وإيمان اصحاب المصلحة بضرورة التعاون بين الجهات الحكومية والشركاء من مؤسسات القطاع الخاص، بهدف تعزيز إدارة السلامة والصحة المهنية على أسس سليمة لتحقيق أعلى مستويات الربحية والتنمية الشاملة. مؤكداً على ضرورة تطوير الحلول الخاصة بقضايا السلامة والصحة المهنية في المنشآت الصناعية بطريقة تأخذ في الحسبان الوضع الحالي للصناعة المحلية، وبرامج الدعم المطلوبة للانتقال لبيئة عمل مستقبلية التكنولوجيا خاصة في الأنشطة الصناعية دعماً لكافة المبادرات والانشطة التي تهدف لايجاد بيئة عمل صحية وآمنة، مشدداً على أهمية رفع التوعية بالسلامة والصحة المهنية وتعزيز أهمية تطبيق أنظمة ومبادئ وممارسات السلامة والصحة المهنية، بجانب تطوير التشريعات الوطنية في مجال السلامة والصحة المهنية وتحفيز أصحاب العمل والعاملين لإيجاد بيئة عمل جاذبة سليمة وصحية، بالإضافة لتعزيز دور إدارة السلامة والصحة المهنية في مواقع العمل، ونقل التجارب والممارسات العملية الناجحة في مجال السلامة والصحة المهنية، والعمل على الاستفادة من الخبرات الوطنية والدولية لرفع مستوى معايير السلامة والصحة المهنية بالبلاد .ويرى فتحي أنه على المحليات أن تعمل على توفير المساحات المناسبة بما يتلاءم مع نوع وحجم النشاط الحرفي ما قد يسهم في تقليل التلوث البيئي وتوفير الاشتراطات الصحية في الورش للحرفيين، إضافة لتوفير بيئة العمل الصحية كالإضاءة والتهوية وغيرها من الامكانيات التي تحقق السلامة للحرفي. مؤكداً أن السلامة مسؤولية كل فرد في موقع عمله ومرتبطة بعلاقته مع من حوله، ويرى فتحي أن السلامة مجموعة من الإجراءات الهادفة لمنع وقوع الحوادث وهي لا تقل عن أهمية الانتاج وجودته والتكاليف المتعلقة به، مشدداً على ضرورة توفير مهمات الوقاية الشخصية للعمال المعرّضين للمخاطـر الطبيعية والتي تتناسب مع طبيعة العمل الذي يقومون به، وأن تكون مطابقة للمواصفات وتوعية العاملين بالمخاطر الموجودة فى بيئة العمل وكيفية الوقاية منها، وتجنب درجات الحرارة المرتفعة داخل أماكن العمل، وأن تتناسب درجة الحرارة مع طبيعة العمل.
غياب إحصاءات :
فيما ينظر رئيس هيئة نقابة الحرفيين ولاية الخرطوم، محمود عبدالرحيم للقضية بالمهمة نسبة لكثرة الاصابات بين العمال في ظل غياب الاحصاءات. وقال من أكثر أنواع الإصابات البتر خاصة في الورش نسبة لافتقارها لاجراءات السلامة المهنية، مؤكداً أن صغار الحرفيين الأكثر تعرضاً للاصابة لقلة خبرتهم، ويرى محمود أن خطورة العمل الحر تكمن في كونه يتعامل مع الحديد ومعظمه قديم ما يعرّضهم للإصابة بالتتنوس في حال أصيب العامل باقل خدش، وقال إنهم كنقابة دورهم تثقيفي كما يطالبون اصحاب الورش بتوفير معدات الاسعافات الأولية، لافتاً لإدخال 75%من الحرفيين تحت مظلة التأمين الصحي.
تقرير رسمي
وزارة التنمية الاجتماعية الولائية، اصدرت تقريراً اعلنت خلاله ان نسبة إصابات العمل التي ادت الى عجز كلي خلال السنوات الثلاث الماضية بلغت (1757) إصابة، بمعدل اقل من "15%" للعاملين بالولاية، كانت نسبة الذكور المصابين "1651" فيما بلغت نسبة الاناث "106" وفق إحصاءات سجلات مكتب العمل، نتج عنها حالة وفاة واحدة و"1245" عجز دائم و"24" عجز كلي و"276" إصابة، وأقرت الوزارة بوجود فجوة كبيرة بين العاملين في مجال السلامة والصحة المهنية وبقية العاملين بالولاية. وشددت على ضرورة تغطيتها، مشيرة لوجود اكثر من "6" آلاف منشأة صناعية بالعاصمة . كما لفتت مديرة السلامة والصحة المهنية بالوزارة، ابتسام عطا المنان، في تصريحات الى أن الزراعة والانشاءات من اكثر القطاعات التي تحدث بها اصابات عمل، وطالبت بايجاد معالجات عاجلة لإصابات العمل عبر جمع بيانات العاملين وتطوير القوانين وتطبيقها، فضلاً عن إدراك ثقافة السلامة والصحة المهنية تشجيعاً للبحوث والتزاماً بالاتفاقيات الدولية.