الثلاثاء، 19 أيلول/سبتمبر 2017

board

حرب الغواصات .. لغز «ماكال»

إنعام عامر
بدا الملف مجهولاً تماماً، وربما تطلب الأمر خريطة مثل خارطة الكنز للعثور على إشارات تفك طلاسم ذلك اللغز المحير.  أبحر الضباط وفي مقدمتهم الملازم الإيطالي الذي كان أكثر حماساً في تنفيذ مهمة «ماكال» في أعماق البحر الأحمر بعدما أحكموا إغلاق كابينتها إيذاناً بتنفيذ المهمة،

قنص السفن البريطانية والعودة إلى قواعدها... إلا أن القدر كان يخبئ شيئاً آخر، غرقت الغواصة واستطاعت حينها غواصة إيطالية أخرى إنقاذ طاقم الغواصة «ماكال»، وحجب حائط مجهول الحقيقة ومصير البحار الإيطالي لخمسة وسبعين عاماً أثناء تأدية مهمتها في البحر الأحمر خلال الحرب العالمية الثانية وأصبحت مجهولة المصير طيلة تلك السنوات . لتبدأ مهمة فريق الغوّاصين الدولي ببورتسودان العام قبل الماضي، بقيادة المخرج الإيطالي ريكاردو، عسيرة تماماً ومحفوفة بالمخاطر.
محض صدفة
كانت الصدفة وحدها التي دفعت بالغواص الايطالي ماسيمو بوندوني الى العثور في اعماق تلك الشواطئ العميقة على غواصة بريطانية.. لم يثن دفء مياه ذلك الصيف البحار الايطالي عن  اكمال مهمته وابلاغ السلطات البريطانية رسمياً عثوره على بحارتها الذين قضوا نحبهم غرقاً داخل الغواصة البريطانية (HMS P311)  التي فقدت مع طاقمها المكون من (71) بحاراً اثناء الحرب العالمية الثانية ما بين ديسمبر 1942 الى يناير 1943 قبالة سواحل سردينيا ، ليظل مصيرهاً مجهولاً حتى لبريطانيا  واسر الضحايا قرابة الـ 73 عاماً. الا ان ما يلفت الانتباه حقاً هو الاسباب التي قادت ماسيمو الى الغوص في تلك الشواطئ. اذ اشارت التفاصيل  الى ان الغواص الايطالي كان في مهمة بحث على طول سواحل سردينيا حين عثر على السفينة العام الماضي.  لحظات عصيبة توقف حينها ماسيمو في ذهول حين عثر على جسم الغواصة كاملاً وجثامين الـ 71  بحاراً داخلها وليس حطاماً، ربما كان في رحلة غوص لذات الاسباب وربما لأسباب أخرى لا نعلمها، الا أن ما بدا واضحاً هو أن الصدفة وحدها هي التي قادت إلى معرفة مكان ومصير الغواصة تلك، وربما كان الهدف البحث عن غواصات ايطالية تم اغراقها في المتوسط خلال معركة الاطلسي الشهيرة وعندها حدثت اهم التطورات في الحرب البحرية إذ استطاعت بريطانيا أن تدمر قاعدة تارنتو الايطالية في البحر الابيض المتوسط عقب استخدامها لأول مرة في اكتوبر من العام  1940م حاملات الطائرات وقد اقلعت الطائرات من سطح الحاملة الوحيدة في البحر المتوسط والتي تسمى (ILLustirious).. الى ذلك النحو لم يسدل الستار على ما ابتلعته اعالي البحار من غواصات اثناء تلك الحرب المدمرة  أو ما يسمى بحرب الغواصات، إذ ما زالت العديد من تلك الغواصات التي شاركت في الحرب العالمية الثانية مجهولة المصير.  الا أن صيف العام قبل الماضي بدا اكثر سخونة اذ كان حاسماً بالنسبة لمصير الغواصة الايطالية التي فقدت اثناء الحرب العالمية الثانية قرب شواطئ بورتسودان ليتم العثور عليها بمساعدة فريق غواصين دولي  قرب جزيرة بر موسى، بجانب العثور على قبر البحار الايطالي المفقود الضابط الشاب الملازم كارلو اسيفالو (Carlo Acefalo) الذي شارك ضمن قوات التحالف في الحرب العالمية الثانية ، وشارك في عمليات عميقة خلف الخطوط في بورما ضد اليابان، ليصبح البطل المفقود الذي يعد أمر العثور على رفاته أمراً بالغ الأهمية لدى الشعب الايطالي.
مفتاح اللغز
نسخة مترجمة من المذكرات الخاصة بالغواصة ماكال وجدت في جزيرة (بارا موسى) ، مع 151 صورة، بجانب العديد من صور السفن والميناء في بورتسودان، وجدت تلك المذكرات في المحفوظات والمجموعات الخاصة بمكتبة القصر الأخضر في جامعة دورهام. اهمية تلك المذكرات في كونها ارشدت فريق الغوص الدولي للعثور على حطام الغواصة الإيطالية التي فقدت في الحرب العالمية الثانية بجانب العثور على قبر البحار الإيطالي، استناداً إلى موقع (2live.com)  وهو موقع تخصص في شؤون الحرب العالمية الثانية وكل ما يتعلق بها، الى ذلك لم تكتمل قصة الحصول على تلك المذكرات، اذ لها قصة اخرى نوردها لاحقاً.
مهمة خاصة
بدت فصول قصة (ماكال) (Macalle) المثيرة، بداية خريف العام 1940م عندما أعلنت إيطاليا الحرب على الحلفاء في العاشر من يونيو ذاك العام، بدأت حينها العمليات البحرية الإيطالية في منطقة البحر الأحمر والمحيط الهندي نشطة للغاية. نشرت ايطاليا غواصاتها بعد وقت قصير من اندلاع الحرب. انطلاقاً من ميناء مصوع بهدف قطع الطريق أمام عبور سفن الحلفاء واستطاعت تشكيل تهديد محتمل لسفن الحلفاء اثناء عبورها البحر الأحمر بين المحيط الهندي والبحر الأبيض المتوسط. كانت تلك السفن الحربية نشطة جداً ضد الأسطول الشرقي للبحرية الملكية البريطانية. كان أسطول البحر الأحمر في موقع جيد جداً لمهاجمة القوافل التي توجهت من خليج عدن مروراً بالبحر الأحمر وقناة السويس، الامر الذي  أجبر الحلفاء على الابحار عبر ممر أطول بكثير حول رأس الرجاء الصالح.
وقد تم إرفاق "ماكال" بسرب الغواصات الايطالية المكون من عدد  (82)  غواصة ضمن أسطول البحر الأحمر التابع للبحرية الملكية الإيطالية، ومقرها في مصوع، ميناء إريتريا التي كانت جزءاً من الامبراطورية الايطالية في شرق أفريقيا.وماكال غواصة فئة (أدوا )  Adau))   صنعت في عام 1937 تزن 856 طن ، تعمل محركاتها بالديزل  بسرعة قصوى تبلغ 14 عقدة سطحاً و 8.5 عقدة في الاعماق ويمكنها الغوص إلى عمق 50  قدماً.  وتحمل على متنها اسلحة من بينها عدد ستة طوربيد أنابيب إطلاق عيار mm533 ،بجانب اثني عشر طوربيدات، واحد بندقية سطح عيار 100 / 47MM، واثنين من البنادق الطائرات 13.2mm.
غارات هجومية
وحسب تقرير نشره موقع (warshipsww2.eu )، فقد بُذلت عدة محاولات بعد دخول إيطاليا الحرب في يونيو 1940 لشن غارات هجومية ضد القوات البحرية البريطانية والقوات المتحالفة معها انطلاقاً من قاعدة ايطاليا في مصوع.  ولكن في غضون أسبوعين من بداية الهجمات البحرية تم تدمير اربع من مجموع الغواصات الايطالية الثمان التي كانت ترابط هناك  .
وكان أول ما ذهب هو "ماكال"، بتاريخ 15 يونيو 1940م ،وفقدت قرب جزيرة بار موسى ،ومثّل فقدانها خسارة كبيرة للقوات البحرية الايطالية ..لكن كيف دمرت (ماكال)...ما هي الاسباب التي ادت الى تدميرها وكيف نجا طاقمها وما هو مصير الملازم الايطالي الذي كان على متنها؟.. حسب معلومات التقرير، فإن الايطاليين كانوا  قد زودوا سفنهم وغواصاتهم بمصنع لتكييف الهواء ،كان غاز التبريد الخاص به هو غاز كلوريد الميثيل، وهو عديم اللون، عديم الرائحة، الا انه سُمي للغاية، ولم تجر الاختبارات اللازمة  التي تسبق  الحرب ،ضف الى ان  التركيب، استناداً الى التقرير الذي نشر، لم يكن قوياً بما فيه الكفاية لمنع أي تسريبات محتملة للغاز السام . حدثت حالة التسرب للغاز السام بينما كانت الغواصة تسير على الشعب المرجانية بالقرب من جزيرة (بارا موسى) في البحر الأحمر، على بعد (65) ميلاً من بورتسودان..  اصيب طاقمها بحالة غثيان وتقيؤ حاد ناجم عن تسمم كلوريد الميثيل . 
استغرق وصولها للاعماق يوماً كاملاً، الامر الذي اتاح وقتاً طويلاً لطاقمها البالغ قوامه (45) فرداً للهرب واللجوء إلى الجزيرة الصغيرة (بارا موسى).
تم إنقاذ جميع الطاقم من قبل البحرية الملكية ((Regia Marina في 22  يونيو من العام 1940م بالقرب من بورتسودان، وفي 27 يونيو، دمرت الغواصة الإيطالية الشاطئية "ماكال" جراء قصف  المدمرات البريطانية وقاذفات الطائرات .وتم توثيق حالة أفراد الطاقم على أنه هذيان، بسبب التسمم بالكلوريد الميثيل الذي تسرب من جهاز التكييف وظلوا عشرة أيام في انتظار الانقاذ.. وبعد قضاء ثلاثة ايام تفرقوا بحثاً عن المساعدة ، دون طعام وماء وتحت درجة حرارة بلغت  60C، وفي الاثناء توفي احد افراد الطاقم ،الملازم كارلو أسيفالو، ودفن في الجزيرة تحت بضعة سنتيمترات فقط من الرمل.

الأعمدة

خالد كسلا

الثلاثاء، 19 أيلول/سبتمبر 2017

خالد كسلا

الإثنين، 18 أيلول/سبتمبر 2017

د. حسن التجاني

الإثنين، 18 أيلول/سبتمبر 2017

الصادق الرزيقي

الإثنين، 18 أيلول/سبتمبر 2017