السبت، 26 أيار 2018

board

د. سلمان محمد سلمان الخبير الدولي في المياه:

حوار: عبد الله بشير (smc)
مازالت المناقشات بين السودان ومصر وإثيوبيا حول ملف سد النهضة تراوح مكانها، رغم اتفاق الدول الثلاث على مبدأ التعاون وصولاً إلى تفاهمات تضع في الاعتبار مصلحة شعوبها.. وأخيراً قامت وسائل الإعلام المصرية بحملة شعواء ضد السودان بسبب مواقفه الموضوعية حول كثير من المسائل..

المركز السوداني للخدمات الصحفية التقى الخبير الدولي في شؤون المياه د. سلمان محمد أحمد سلمان، لتوضيح كثير من الحقائق الغائبة وشرح الجوانب الفنية المتصلة بموقف السودان من سد النهضة، وتطرق اللقاء لحقوق السودان المائية في اتفاقية 1959م وكيفية الاستفادة منها كاملة.
> كيف تنظر إلى تأثير التفاهمات الأخيرة بين رؤساء السودان ومصر وإثيوبيا في مناقشات سد النهضة؟
< اهمية اللقاء تأتي من عدة زوايا، أولها قبل اللقاء كانت هناك تسريبات بأن مصر اقترحت على إثيوبيا استبعاد السودان من المناقشات حول سد النهضة، وأن تكون المفاوضات ثنائية بين الدولتين، وهذا الأمر بالطبع غير ممكن من النواحي العملية والقانونية. وأعتقد أن أول نتيجة لهذا اللقاء أنه لم يعد هناك حديث عن استبعاد السودان بعد أن نفت مصر أن تكون قد تقدمت بهذا الطلب، وهو ما أزال الغموض والالتباس وأعاد الأمور إلى وضعها الطبيعي بما يمكن من عودة التفاوض بنفس الأسس التي بدأ بها، وفق إعلان المبادئ الموقع بين الرؤساء الثلاثة في مارس 2015م.
والأمر الثاني كان حديث عن طلب مصر بوجود دور للبنك الدولي كوسيط وهو الأمر الذي رفضه السودان وإثيوبيا، وبالتالي نتجت عن لقاء الرؤساء الثلاثة عودة التفاوض بنفس الأسس والمحاور التي كانت قبل الخلافات الأخيرة، والتي تم الاتفاق على أن تحل عن طريق التفاوض والنقاش دون تدخل طرف آخر ودون استبعاد لأي طرف.
> لكن عند تقديم التقرير الاستهلالي للمكتب الاستشاري، مصر اعتبرت أن موقف إثيوبيا والسودان خرج عن سياق الاتفاقيات، كيف تنظر إلى هذا الجانب؟
< التقرير الاستهلالي للشركتين الفرنسيتين أثار أسئلة وقضايا كثيرة لم تكن الدول الثلاث قد تطرقت إليها، مثلاً إذا كانت الشركتان ستقومان بدراسات عن المضار التي قد تحدث ما هي قاعدة البيانات التي تستند إليها؟
< مصر كانت ترى أن يتم الاستناد على استخدامات مصر الحالية للمياه، بينما استند السودان إلى اتفاقية 1959م، أما إثيوبيا فترى أنها ليست طرفاً في هذه الاتفاقية ولا تعنيها ولا تعترف بها. وبالتالي أصبحت هناك ثلاثة آراء وهو ما أوجد الخلاف.
والأرقام الموجودة في اتفاقية 1959م تقول إن مياه النيل المقاسة في أسوان تبلغ (84) مليار متر مكعب منها (10) مليارات تتبخر في بحيرة السد، وتبقى (74) مليار متر مكعب نصيب مصر (55.5) مليار والسودان (18.5) مليار لم يستخدم منها (6.5) مليار على مدى الخمسين عاماً الماضية. والسودان يستند الى قاعدة الاتفاقية، بينما مصر تتحدث عن الاستخدامات القائمة. وهذا الخلاف جعل الاجتماع الذي عقد القاهرة في نوفمبر ينفض دون الوصول لاتفاق واصدار بيان، ولم يتم حتى الاتفاق على موعد الاجتماع القادم.
> ماهي قراءتك لاتجاهات الموقف المصري الذي انتقل من رفض قيام السد إلى التوقيع على اتفاق المبادئ ثم اثارة الخلاف حول إطار المناقشات؟
< المشكلة الوحيدة لمصر هي فترة ملء بحيرة السد التي تبلغ سعتها (74) مليار متر مكعب من المياه، وهذا ما قاله الخبراء المصريون أنفسهم، فكلما طالت فترة ملء البحيرة قلت التأثيرات على مصر والسودان.
واتفاق إعلان المبادئ الذي وقع عليه الرئيس السيسي فيه اعتراف مصري بقيام سد النهضة وأنه ليست له مضار، لكن رغم ذلك دائماً ما تحدث حالة من الارتباك، ونجد أن الموجة هناك تنخفض وتعلو ضد السد. ورغم صدور تصريحات إيجابية من الرئيس السيسي في قمة أديس أبابا وحديثه عن ضرورة التعاون في جميع المجالات، لكن المشكلة أن مصر لا تتحدث بصوت واحد.
> هناك من يفسر التصعيد المصري في حلايب والحشود على حدود السودان الشرقية بأنه إشارة لحرب مياه محتملة في المنطقة؟
< أنا عملت في مجال المياه في البنك الدولي لمدة (20) عاماً، والفلسفة التي يستند إليها خبراء المياه أن المياه لا تُدار إلا بالتعاون الذي يعود بالكثير من المنافع. وهناك أكثر من (300) نهر و (300) خزان جوفي و(150) بحيرة تشترك في إدارتها دولتان أو أكثر.
وفي نهر النيل هناك مجالات كبيرة للتعاون، بحيرة فكتوريا مثلاً فيها ثروة سمكية ضخمة يمكن أن تنمى لمصلحة الدول. وهناك أراضٍ زراعية شاسعة في السودان يمكن أن تروى بمياه النيل، بالإضافة إلى الطاقة الكهربائية المولدة في اثيوبيا من نهر النيل. وبموجب الدراسات التي أجريت في الستينيات يمكن توليد (30) ألف ميغاواط، وإذا تم تحديث هذه الدراسات يمكن أن يرتفع الرقم إلى (40) ألف ميغاواط. وبالنسبة لسد النهضة تم تحديث الدراسات وإدخال تقانات جديدة، والآن يتم الحديث انتاج عن (6450) ميغاواط بدلاً عن (6) آلاف. ومصر كذلك لديها إمكانات صناعية متقدمة، ويمكن تصنيع الثروة السمكية التي تأتيها من فكتوريا أو الزراعية من السودان.
وهناك حديث عن حروب المياه بسبب الخلافات بين دول العالم، لكن لا أعتقد أن هذه الخلافات ستصل إلى مرحلة الحروب لأنها مكلفة ومدمرة ولن تؤدي إلى نتيجة، ومعظم الدول حالياً لجأت إلى التعاون، وهناك عشرات الاتفاقيات الموقعة بينها في توليد الكهرباء والأسماك والري ومياه الشرب ووقف الفيضانات وغيرها.
ونذكر أن إثيوبيا عندما غيرت مجرى النيل تحدث المصريون عن ضرب سد النهضة في الاجتماع الذي كان مذاعاً على الهواء، لكنني متأكد من أن الرسالة التي ذهبت لمصر من الدول الكبرى أنهم لن يقبلوا دخول مصر في أية حرب.
> من واقع خبرتك العملية هل يمكن تطبيق تجارب لدول تعاونت في إنشاء السدود على ملف سد النهضة؟
< هناك دول كثيرة تشاركت في بناء سدود لفوائد المجتمع، هناك نهر الدانوب الذي تتشاركه (16) دولة، ويعتبر من أنظف الأنهار ولا توجد به مشكلات بيئية، كما أن المياه والكهرباء توزع بين دوله بانتظام، والمسائل تدار بواسطة لجنة فنية مشتركة، وهو ما ينطبق على دول إعلان السنغال التي تضم السنغال ومالي وموريتانيا وغينيا، حيث قامت بالتوقيع على اتفاقيات وقامت ببناء سدين هما مننتالي وادايما... وهناك سد ايتاي بو الذي تعاونت في بنائه البرازيل وباراغواي ويولد (22) ألف ميغاواط من الكهرباء التي تكفي حاجة البلدين ويتم تصدير الفائض.. وهناك نهر كلورادو الذي يُدار بين الولايات المتحدة والمكسيك، وهناك مجموعة أنهار بين كندا والولايات المتحدة تدار بنفس الطريقة.
وأنا في تصوري أن سد النهضة كان يجب أن يكون سداً مشتركاً في الإدارة والتمويل والمنافع، وهذا ما عرضته إثيوبيا على السودان ومصر ولكن البلدين تجاهلا الطلب.. وقبل أشهر مصر حاولت فتح هذا الباب لكن إثيوبيا قالت إن الوقت قد تأخر بعد اكتمال بناء 65% من السد.
> التقرير الاستهلالي أثار مسألة نصيب السودان من المياه الذي يذهب لمصر، برأيك كيف يمكن أن ينظم السودان المسألة قانونياً للحفاظ على حقوقه؟
< اعتقد أن مياه النيل واحدة من أكثر المسائل التي فشلنا في معالجتها، السودان قدم لمصر تنازلات ضخمة لم تقدمها أية دولة من قبل.. تنازلنا عن منطقة حلفا و (27) من قراها حتى يقوم السد العالي وبحيرته التي تمتد (150) كيلومتراً داخل السودان. وتم ترحيل (50) ألفاً قسراً إلى منطقة خشم القربة. وهناك (200) ألف فدان أرض خصبة ترقد تحت البحيرة، وهناك اراضٍ أخرى كان يمكن استصلاحها، إضافة إلى كمية ضخمة من الآثار التي غمرتها مياه البحيرة، وكميات من المعادن التي تشمل الحديد والذهب. والشلال الثاني الذي اندثر تحت البحيرة كان يمكن أن يولد طاقة كهربائية.
كل هذه تنازلات قدمناها لنحصل على (18.5) مليار متر مكعب من المياه، ومنذ أن تم توقيع الاتفاقية لم يستخدم السودان أكثر من (12) مليار متر مكعب، بينما تذهب (6.5) مليار متر مكعب إلى مصر، وأعتقد أن هذا الفشل كل الحكومات مسؤولة عنه منذ حكومة الأزهري الأولى التي وافقت على ترحيل أهالي حلفا في أبريل 1955م، وكان التعويض فقط (15) مليون جنيه مصري، في حين أن التكلفة المباشرة كانت حوالى (40) مليون جنيه مصري.. وأعتقد اننا نحتاج الى نضع جهدنا وفكرنا بواسطة كل خبرائنا لتصحيح هذا الخطأ التاريخي والاستفادة من كل مياهنا.
> أعلن السودان أخيراً أنه سيتقدم بمقترح ليكون مسار سد النهضة سالكاً، فإلى أي مدى يمكن أن يلعب السودان دوراً للوصول إلى تفاهمات بين الدول الثلاث؟
< أنا أعتقد أن مجموعة الخبراء السودانيين في وزارة الري وتحديداً التي تعمل في ملف سد النهضة تعتبر من أميز خبراء المياه في العالم، والسودان بهذه الكفاءات يمكن أن يلعب دوراً كبيراً في مسألة السد. وأشير هنا إلى أن اتفاقية إعلان المبادئ تمت صياغتها إلى حد كبير في وزارة الري السودانية. ومصر ستحتاج إلى السودان وهؤلاء الخبراء لمعاونتها، وإثيوبيا أيضاً تحتاج إلى السودان في إطار العلاقة الطيبة التي تجمع البلدين.
> قيام سد النهضة والمخاوف من نقص الحصص جعل مصر تتحدث عن قضية البدائل.. هل يمكن أن تكون هذه البدائل حلاً للمشكلة؟
< مصر عندما وقعت على اتفاقية مياه النيل سنة 1959م كان عدد سكانها (25) مليون نسمة وحاليا عدد سكانها (100) مليون نسمة، فهي تحتاج إلى ترشيد استخدامات المياه لأنها تفتقد إلى ذلك، وأن تقرر أي نوع من المحاصيل قليلة الاستهلاك للمياه تحتاج إلى زراعتها. ويجب على مصر أن تنظر إلى بدائل أخرى من خلال تحلية مياه البحر الأحمر والمتوسط والنظر لاستخدامات المياه الجوفية.
وفي إثيوبيا مثلاً استخدامات مياه النيل للكهرباء، فالمياه تستخدم وترجع للنيل مرة أخرى، فهي ليست استخدامات استهلاكية كما هو في الزراعة. وهذا يشير إلى عدم تضرر مصر والسودان.. وعند الحديث عن مياه النيل في مصر نجد أن الجانب السياسي يطغى على الجانب الفني، وأنا اعتقد أن هناك تهريجاً سياسياً أكثر من وجود حديث علمي في هذا الجانب.
> مصر في إطار خياراتها المطروحة أعلنت إحياء العمل في قناة جونقلي في جنوب السودان، هل ترى أن هناك جدوى لذلك؟
< في عام 1976م بدأ العمل في القناة بواسطة شركة فرنسية، والسؤال المحير لي بالنسبة كباحث هو لماذا تبنى السودان حفر القناة وصرف (200) مليون دولار للحصول على (3) مليارات متر مكعب في حين أن لدينا (6.5) مليار لا نقوم باستخدامها؟
وقناة جونقلي أمرها معقد جداً، والحديث عن العودة لحفر القناة بواسطة شركة جديدة مبالغ فيه، لأن المواطنين في المنطقة ظلوا يرفضون قيام القناة، وقاموا بتظاهرات وقتل عدد منهم. وحكومة نميري لم تستطع اقناعهم ببدء العمل فيها إلا بعد تقديم مجموعة من المشروعات ولكنها فشلت في تنفيذ أي من المشروعات، لذلك الحركة الشعبية أشارت لهذا الاتفاق عندما قامت بضرب القناة عام 1983م, والقبائل في المنطقة تنظر للقناة على انها شيء مضر بالنسبة لها لأنها تمنع حركة المواشي، ويتحدثون عن تأثيرات بيئية في تقليل الأمطار. كما أن منطقة المستنقعات اصبحت ذات أهمية عالمية بعد أن أن تم إعلانها منطقة ايكلوجية، لذلك لا أعتقد أن المسألة ستكون بهذه السهولة.
> هل هناك رسائل تود توجيهها لبريد الدول الثلاث في ختام هذا اللقاء؟
< كما ذكرت فإن الفلسفة التي يتبناها البنك الدولي وخبراء المياه في العالم أن مسألة المياه الدولية لا تُدار إلا بالتعاون، فالتصريحات النارية والهتافات والاتهامات لا تجدي.. وكلمة تعاون ذكرت حوالى ست أو سبع مرات في اتفاق إعلان المبادئ، والمطلوب هو التعاون الجاد وبحسن نية.
وبالنسبة لنا في السودان فإننا نحتاج إلى دراسات وعمل بسرعة للاستفادة من نصيبنا غير المستخدم في مياه النيل البالغ (6.5) مليار، كما نحتاج إلى تدريب أجيال جديدة في مجال المياه.