الثلاثاء، 22 أيار 2018

board

د. قطبي المهدي في حوار صريح لـ"الانتباهة""1-2":

حاوره: صلاح مختار
كنت أعلم أن لديه ما يقوله خاصة وأنه صمت طويلاً عن الإعلام، وعندما حدد لي موعداً لمحاورته حضرت إليه مبكراً وعندما اتصلت به ابتسم كعادته ولكن قبل أن أصعد إليه التقيته على باب المصعد

وكنت أحمل في يدي ورقة أعدها د. أمير النعمان عن القيم الأخلاقية وعندما عرضتها عليه ابتسم وكأنما يتساءل هل نحن حتى الآن نبحث عن تلك القيم الأخلاقية تلك التي افتقدناها وأدت بنا إلى هذا الوضع. دائماً يرسم ابتسامة يخفي وراءها مواقف وأسئلة.. فماذا قال؟.
> دكتور قطبي ابتعدت كثيراً عن الساحة والحزب هل أنت مغاضب أم مُبعد أم لك موقف ؟
< هذا سؤال صعب جداً بحكم التاريخ كله مفروض انني مؤيد قوي لبرنامج الانقاذ وما زلت نظرياً وقلته قبل هذا للصحف ما لم يتخل المؤتمر الوطني عن موقفه المبدئي سأظل عضو مؤتمر الوطني او مؤيد او مساند لبرنامجه.
> ولكن أين تكمن المشكلة؟
< المشكلة في الواقع العملي، المؤتمر الوطني ابتعد عن كل مبادئه الاساسية من غير ما يعلن ذلك، بالتالي وجدت نفسي ما عندي الحماس ان اشارك في ما يجري اصبحت ناقداً الى حد كبير، الان اتساقاً مع هذا الموقف انا ماعندي اي مسؤولية في المؤتمر الوطني على الاطلاق وهذا حصل فجأة ويبدو بيني وبين الجماعة وضعي غير مريح لا هم مرتاحين ولا انا مرتاح وانا لم اعد في المكتب القيادي ولا في مجلس الشورى ولا في المؤتمر المؤتمر العام لا يوجد عندي اي وضع، ولذلك لا استطيع التحدث باسم المؤتمر الوطني وانما كمراقب مؤمن بمبادئ معينة لكن من حقي انتقد. الفجوة بين المبادئ والموقف العملي كبيرة جداً انا انتقد المسألة دي.
> هل أنت نادم على الماضي وأنت خارج دائرة الفعل بالحزب؟
< أنا ما نادم على الماضي لانني اعتقد الحزب كان في الماضي صادق في مواقفه وفي مبادئه بدليل عندما تنظر الى الفترة الاولى الروح التي بعثتها الانقاذ في الوعي الشعبي العام والانجازات التي حدثت في البداية والتجرد والحماس العضوية التي كانت وراء كل الانجازات التي حدثت رغم الظروف الصعبة الحصار والحرب كان كل شيء ضدهم هذا هو المؤتمر الوطني الذي اؤمن به واتحمس ليه .
> وما الذي تغير ؟
< بعد ذلك حصل شيء خطأ كل تكوينات المؤتمر الوطني اذا نظرت الى الانقاذ خلال تلك الفترة وماحدث بعد ذلك تجد انه هناك مرحلة معنية حصل فيها تحول كبير، انظر الى الدفاع الشعبي الظروف تغيرت صحيح ولكن كان هنالك شباب كانوا حاملين ارواحهم في أيديهم يبحثون عن الشهادة حققوا معجزات في الجنوب سيظل السودان يفخر بها الى يوم القيامة يذكّر السودانيين بحماسهم في شيكان وكرري الناس كانوا يطلبون الشهادة ويندفعون صادقين جداً هذا غير موجود, الان اختفى بطريقة ممنهجة ما حصلت بالصدفة ولا بسبب التراخي التاريخي وانما بوعي الروح الذي عند الشباب انجزوا به التصنيع الحربي رغم انها كانت حاجة مستحيلة.
> ولكن هل تلك الروح الآن تغيرت ولمصلحة من ؟
< كما قلت كيف انت في ظل الحصار والعداء الشديد والتوجس من السودان واتهامه بانه دولة راعية للارهاب تستطيع تدريب هذه الكوادر من المهندسين ويبدعوا ويستطيعوا تحت ظل الحصار ينشئوا صناعة كاملة في بلد متخلف جداً ما كان يصنع اي حاجة يصنع الاسلحة الثقيلة تحت التهديد بفرض حصار على السلاح حتى السلاح الصغير، بالاضافة الى الناس الذين استخرجوا البترول رغم المقاطعة كل الشركات الكبرى كلها معجزات حقيقية في فترة وجيزة جداً هذه الروح التي فجرتها الانقاذ في قطاعات حية من الشعب السوداني جعلته يندفع بهذه الشجاعة والتوكل والاقتحام لم تعد موجودة الان، المؤتمر الوطني لايستطيع ان يلهم الناس بنفس الصورة القديمة.
> كأنك تقرأ الواقع اليوم برؤية مغايرة للماضي؟
< الأزمات التي انت تراها والمشاكل هي كوارث حقيقية والعجز التام في قراءتها اولاً قبل ما تحصل ومخاطبتها ومعالجتها ومواجهتها يدل على ان هنالك تخلفاً كبيراً جداً وهناك ملل. بالنسبة لي انو ده كله حصل ليس بسبب عدم وجود موارد لكن بالعكس لانه عجز القادرين عن التمام ما يدل على ان هنالك مشكلة حقيقية .
> أنت في حديثك كأنك تفرق بين الإنقاذ والمؤتمر الوطني ؟
< تاريخياً المؤتمر الوطني جاء بعد الانقاذ، كثير من الانجازات التي ذكرتها لك والروح الايجابية التي كانت وراءها كانت في فترة قبل المؤتمر الوطني، صحيح ان المؤتمر الوطني في بدايته كان ماشي بدفع تاريخ الانقاذ نفسه ولكن شيئاً فشيئاً بدأ يقل وبدأت مشاركته تتراجع ومراسمي جداً صحيح ترى هنالك اجتماعات منتظمة وترى تنظيمات ولكنها جوفاء وما فيها روح .
> ولكن يادكتور البعض يحمّل الجيل القديم مسؤولية ما يجري وكأنما هنالك فجوة بين الجيلين؟
< هذا صحيح الجيل السابق مسؤول مسوؤلية كاملة عن فجوة الاجيال التي حصلت، هناك فجوة في التجربة والخبرة والقيادة لانهم ظلوا فترة طويلة ما بشركوا هذه القواعد، ولذلك الشباب كبر وعندما جاء كي يستلم منهم ما كان مؤهلاً التأهيل الكافي يعني بدأوا من الاول وكان مفروض في هذه المرحلة من اول يوم يكونوا جاهزين يتحملوا المسؤولية كاملة.
> هل تلك الفجوة جعلت البعض يطالب بعودة الحرس القديم ؟
< صحيح كانت هنالك دعوات بضرورة عودة الحرس القديم واعتبر ذلك فشلاً كبيراً في تقديري.
> أين موقع الحركة الإسلامية مما يجري الآن ؟
< أنا منذ عام 1998 قلت ما في هنالك حركة اسلامية في تنظيم وهناك فرق كبير بين التنظيم والحركة، الحركة عندها ظلال معينة ومعنى محدد اما التنظيم موجود بشكل هيكل .
> هل له دور فيما يجري الآن ؟
< نعم الحركة تأثيرها في المحيط الحولها وهذا يعتمد بانها حركة فيها روح ام حركة مجرد هيكل دون روح نعم هناك تنظيم حقيقة ظل حتى اللحظة موجود ولكن اين هو الان ؟ لاحظ انت ما بتحس بيه انا الان موجود في حي لا اجد له اي اثر .
> هل ما أصاب المؤتمر الوطني من ضعف أصاب الحركة الإسلامية ؟
< بالتأكيد مافي فرق بينهما حقيقة انت لو استعرضت عضوية المؤتمر الوطني تجد الى حد كبير كل عضوية الحركة الاسلامية موجودة فيها من قيادتها الى قواعدها وكل اعضاء الحركة الاسلامية هم مؤتمر وطني ومعظم النشطين في المؤتمر الوطني لهم علاقة بالحركة الاسلامية .
> البعض شبّه المؤتمر الوطني بالحزب العقائدي مثله كحزب الأمة أو الاتحادي إلى أي مدى صحة ذلك ؟
< شوف البرامج المعلنة قد تجد فيها بعض الملامح لالتزام عقائدي معين، لكن مثلما قلت الحال يدل على ان الحزب (براغماتي) لا تسير مواقفه وقراراته على التزام مبدئي معين، وذلك واضح من خلال التأرجح الكثير في المواقف والتصريحات ما تحس ان كلها خارجة من خلفية عقائدية .
> دكتور قطبي وأنت خارج دائرة الفعل كيف تنظر للواقع السياسي الراهن؟
< من (بدري) كان رأيي ان الواقع السياسي في السودان مأزوم جداً الحركة السياسية في السودان ضعيفة جداً ومتخلفة حقيقة في كل مشاربها حتى في الحزب الحاكم ولكن المعارضة اسوأ ما عندنا احزاب جادة وما عندنا قيادات واعية واحزاب ليس لديها برامج واضحة مجموعة من الناس كانوا في السلطة ودرجات مختلفة ما عندهم شيء يقدموه للبلد لذلك الناس تقول (خلي المؤتمر يمشي يكسحكم مافي بديل) بالتالي الضعف الموجود في كل الحركة السياسية وليس في المؤتمر الوطني كحزب ايضاً حتى في الوعي الشعبي العام حتى الان لا اعتقد الناس استطاعوا تحديد مشاكلهم بشكل واضح التأثيرات الخارجية على البلد تأثيرات كبيرة جداً هناك مواقف قوية جداً ومحسوبة ومبرمجة وممنهجة ضد البلد (مافي زول منتبه ليها) مثل مشكلة البنزين الناس تعتقد ان القيامة قامت بشأن مشكلة البنزين او الاسعار وهذه تنسيهم اي حاجة اخرى هنالك حركات سياسية كثيرة جداً شايلة السلاح على الدولة الان مستنزفة قدرات الدولة واذا نظرت الى الميزانية تجد معظمها يذهب الى الامن والدفاع والسلاح هذا كله الناس ماشاعرين بيه الان مابتحس في واحد بيلوم الحركات هذه خالص ومنو الورائها والذي يحركها ما في زول مشغول بهذه القضية الان تجد الناس (ينقنقو) من المشكلة الاقتصادية ولكن مافي (زول) واحد يقدم وجهة نظر اقتصادية للخروج منها اما ان هنالك من يستغلها ضد الحكومة واما الحكومة عاجزة تطمئن في الشعب بشكل عام، الحالة السياسية سيئة جداً في السودان وهو ما جعل الناس يكونوا يائسين من اي تقدم او اصلاح او تغيير.
> الصورة القاتمة التي وصفت بها الوضع كيف الخروج منها خاصة أن هنالك أطروحات مثل الحوار الوطني وبرامج الإصلاح؟
< صحيح ولكن هذا لا يتم على المدى القصير وانما في المدى البعيد "والناس ماصبورين حتى ينتظروا والسودانيين ملولين جداً ما صبورين لوضع استراتيجيات معينة والمضي فيها بجد حتى تؤتي ثمارها" مثل مسألة الاقتصاد انا اعتقد مشكلتها ليست مثل اي اقتصاد اخر يواجه مشاكل .
> كيف نحدد مشكلة الاقتصاد وتحديد الحلول؟
< مشكلة اقتصادنا تحتاج الى حلول جذرية جداً وهو الذي جعلني ان اكون حاداً في افكاري حتى تخرج من دائرة التخلف هذه انت محتاج الى خطط واستراتيجيات محددة جداً وحلول جذرية وهذه تؤتي ثمارها بعد فترة وتحتاج الى تضحية كبيرة جداً من الناس والى صبر خاصة وانت لست من الدول والكبرى وتحتاج الى معونات من الخارج انت بالعكس محاصر وكثير من القوى الخارجية النافزة حريصة على انها تكبلك ولا تتقدم، وبالتالي عملية الاعتماد على الذات التي كانت الانقاذ تبشر بها منذ البداية الناس تخلو منها الان جارين الى (شيخ فلان وشيخ علان عشان يدينا شوية قريشات نحل بيها مشكلة اليوم وبكرة لا نعرف نعمل شنو) وهذا لا يحل مشكلة الاقتصاد انت فكر في الدول التي لا يوجد بها اي موارد والان هي دول كبرى مثل ايطاليا لا تمتلك اي شيء لابترول ولا معادن او ارض زراعية ولا أنهار ولكن تفكر صاح وتعمل بجد كذلك كوريا حتى الخمسينات كانت متخلفة ومجاعات الان اين هي الان كذلك اليابان انت هؤلاء قرروا بناء بلدهم وصبروا ووضعوا استراتيجيات وضحوا تضحية كبيرة وبذلوا عرقاً عشان يبنوا بلادهم انت بكل مواردك لم تستطع تعمل مثل هذا لانه نريد ندلع الشعب وما نريد نزعلهم ونريد نرضي الحكومة وتريد ان تدعمهم وما نطالبهم بانهم ينتجوا شوف الانتاج اليوم حاله كيف ؟
> ولكن البعض يرمي اللوم على الحكومة وليس الشعب ؟
< صحيح لانه هي المفروض تعمل الخطط ولكن مع الاسف لم يدرسوا التاريخ اذا كانوا يدرسون تاريخ الاتحاد السوفيتي والصين كانت دولاً متخلفة جداً حتى الحرب العالمية الاولى عندما جاء استالين وضع خطط التنمية الخمسية الاولى والثانية حتى استطاع منها إنشاء دولة صناعية كبرى وقوية ولاول مرة بعد الحرب كان يجتمع مع شرشل لتقرير مصير العالم، بالتالي انت محتاج الى مثل هذا ولكن من الذي يفعلها لازم تعملها الحكومة .
> ولكن حمّل البعض القيادات القديمة والحديثة مسؤولية تلك الصورة ورمى البعض إلى وجود خلافات بين تلك القيادات ؟
< يا ريت لو كان هنالك خلاف بين الشباب والقيادة القديمة ولو كان هنالك صدام بين مثل هذا النوع لكان انتج شيئاً, ولكن تلك المجموعات كانت مستسلمة لتلك القيادات راضية بوضعها ولذلك عندما سلموها الحكم ما كانوا عارفين يبدو من وين لو كان الصدام موجوداً من الاول يمكن كان احدث تغييراً ايجابياً من بدري الشباب وجد فرصة للمشاركة بحيث عندما يستلم يكون جاهز ودائماً اضرب مثلاً باوباما عندما جاء يستلم اكبر دولة في العام كان عمره (40) عاماً ولكن ما جاء كي يتعلم في الشعب الامريكي كذلك بريطانيا , ولكن ما كان لديهم مشكلة ان يستلموا الحكم من اول يوم , لانهم ما جاءوا ناطين من قطاع الشباب ولكن كانوا مشاركين في القيادة، الواقع الان في السودان (تركوا الناس حتى تجاوزوا الخمسين حتى جاءوا بهم واستلموا منهم ما كانوا عارفين يديروا البلد كيف).
> هل الدعوة إلى الإصلاح الحزبي جاءت متأخرة ؟
< بالتأكيد جاءت متأخرة وما حصل فيها شيء وده ما الاصلاح المطلوب انك فقط تأتي بالناس من اتحاد الشباب وتدفع بهم الى الوزارة هذا لا يسمى اصلاحاً ولو لاحظت حتى في القيادات القديمة هناك من جاء من دون اي خبرة ومن اي تجربة وجلسوا مدة طويلة في القيادة وحتى عند خروجهم لم يقدموا اي شيء ولم يفهموا اي حاجة لانهم جاءوا بنفس الطريقة في تقديري اذا كان هنالك اصلاح يبدأ بتلك الصورة من الان تنتخب قياداتك الواعدة من الشباب تمنحهم فرصة في المشاركة في ادارة المؤسسات بالتالي اليوم الذي يستلموا فيه المسؤولية كاملة يكونوا جاهزين.