الأربعاء، 28 حزيران/يونيو 2017

board

القيادي بالحركة الإسلامية محمد أحمد الفضل في حوار الاعترافات:

أجراه: مزمل عبد الغفار
-ملامح معلومة للجميع شكلت الأُفق السياسي السوداني.. ولدت معها حالة من عدم الاستقرار لتجارب الحُكم المدني والعسكري منذ فجر الاستقلال وحتى الآن, تلك التجارب التي لم يحالفها التوفيق في أن تبقى أو أن تستقر هي نفسها أو أن تحقق الوحدة والسلام الشامل للبلاد,

فدار السودان في فلك الدائرة الجهنمية (حكومات ديمقراطية.. تمرد.. انتفاضات.. انقلابات.. انقسامات) ولازم عدم الاستقرار كل هذه التجارب التي مرت مما أثر على واقع السودان وتقدمه وتنميته وازدهاره, فكان الفشل أحد أبرز المظاهر والمعالم وانتهت كل تلك الحقب بما هو معلوم للجميع من نتائج ومآل.. حكومة الثلاثين من يونيو بدأت بحسب مشاركين ومراقبين بملامح ربما تكون مختلفة قليلاً عن سابقاتها وفقاً لفقه الضرورة الذي اقتضى ذلك التغيير في ذاك الوقت (الانقلاب) والذي سموه أهله بالهبوط الاضطراري, هكذا عُرفت الإنقاذ في بدايتها كتيار إسلامي ولكنها بدأت من بعد ذلك تشق لها طريقاً أوسع وأشمل في منحى الحكم بأبواب مواربة تارةً ومفتوحة تارةً أخرى, وهذا أيضاً جاء عبر محطات حوت الكثير من الإخفاقات والفشل والنجاحات, وما زالت تواصل السير في هذا الطريق الذي انتهى بها بالحوار الوطني والمخرجات ومن ثم الدخول في عهدٍ جديدٍ.. كثيرون يقولون ونحن نستعرض هذه المسيرة والتجربة السياسية في عهد الإنقاذ أن واحداً من عوامل عدم التوفيق وعدم النجاح الظاهر هو الخلاف الذي أدى لانشقاق الإسلاميين مما يجعل السؤال هنا قائماً: هل حققت الحركة الإسلامية ما تصبو إليه؟ وهل وضعت في التجربة التي مرت كل إستراتيجياتها وأدبياتها بعقلية الحركة الإسلامية عندما كانت قبل تجربة الحُكم, أم أن هناك أشياء لم تتحسب لها بعد الحُكم.. وأين هي الآن في المشهد السياسي الجديد؟.. عدد من الأسئلة توجهنا بها في هذا الحوار إلى القيادي بالحركة الإسلامية الأستاذ محمد أحمد الفضل في حوار ينشر على حلقتين حيث بدأنا هذه الحلقة الثانية بالسؤال:
> مؤخراً اختتم مؤتمر تقييم وتقويم الحُكم اللا مركزي أعماله وخرج بالعديد من التوصيات ما الذي يحتاجه الحُكم الفيدرالي من وقفات تراها؟
< الحُكم الاتحادي من المؤكد هو جاء لتقليل الظل الإداري والقسمة العادلة للسلطة والثروة وهو مطلب شعبي, ومن الناحية السياسية الناس شعروا بأنهم مشاركون في حكوماتهم في جميع مستويات الحُكم لتصبح بالتالي مسألة المشاركة في الثروة واقع معاش ومعلوم أن مسألة التنمية والثروة هي قطعاً تحتاج إلى موارد ضخمةٍ, ولكن الظروف الاقتصادية التي مر بها السودان في الفترة الماضية من حصارٍ اقتصادي وإجراءات لم تمكن أهل السودان من تحقيق أهدافهم في التنمية وحق لنا أن نتفاءل الآن خيراً بعد فك الحصار ولذلك قد ينظر الناس هنا بأن الحُكم الاتحادي فيه تقصير في هذه الناحية ولكن أيضاً بعد مرور أكثر من عقدين من الزمان على هذه التجربة فلا بد من مراجعة السياسات الخاصة بالموارد وكل الأُطر المتعلقة به وذلك حتى تتحقق له الانطلاقة ومن ثم الوصول إلى الأهداف المأمولة منه.
> هل أخطاء الولاة هي السبب في تدهورِ الحُكم الاتحادي؟
< حقيقة الحُكم الفيدرالي كان يمضي في بداياته بطرق سليمة ومعالجات مستمرة وسلطات معقولة ولكن بعد دستور العام 2005م حدث الانفلات, ولذلك فمن السلبيات التي ظهرت وأثرت على مسيرة الحُكم الاتحادي وجعلت الولاة ينالون العديد من السلطات هي الحُكم المحلي الذي كان مستوى من مستويات السلطة, فالحُكم المحلي على المستوى الولائي في الدستور هو سلطة ولكن في التطبيق تم إسناد أمره هنا للولاة وهذا الإسناد ساهم في التقليل من فعاليته فلم يأخذ موارده ولا سلطاته المطلوبة ولذلك ضعف, وضعف الحُكم المحلي هو بالتأكيد يقود لضعف الحُكم الاتحادي بأكمله, والمؤتمر الذي انعقد لتقييم وتقويم الحكم اللا مركزي الغرض الأساسي منه هو مراجعة التجربة وتقويمها بما يُحققُ طموحات الناس ورضاؤهم في الحُكم عبر المشاركة في السلطة وتحقيقِ التنمية.
> الناس يقولون أيضاً من الناحية السياسية عموماً أن إطالة أمد الأزمات هنا يعود إلى أن الحركة الإسلامية التي جربت مذاق حلاوة السلطة لا تستطيع أن تجلس على مقاعد المعارضة فما ردك هنا؟
< نحن الآن ووفقاً للتطور السياسي الذي تمخض عن الحوار الوطني وأنتج مخرجات يجري تطبيقها ومناخ جديد وحريات للممارسة الحزبية جميعها نجد أنفسنا متوجهون جميعاً في السنوات القليلة القادمة نحو الانتخابات وصناديق الاقتراع التي هي الحُكم والفيصل, والشعب حينها الكلمة النهائية له في من سيحكُمُ بعد العامِ 2020م.
> لقد كانت شعاراتكم (هي لله ولا للسلطة ولا للجاه) (ولا شرقيةٍ ولا غربيةٍ) فظهرت مواقف جديدة وتحولات حتى على صعيد العالم الخارجي فما الذي حدث لكم؟
< تلك كانت هي فترة نقاء سياسي وفكري بعيداً عن الأهواءِ (الفترة التي انطلقت فيها هذه الشعارات), والسُلطة وقتها لم تكن هدفاً من أهداف الناس ولكن عندما تنفتح الدنيا على الناس بسلطاتها وحُكمها ووظائفها فمن المؤكد لها تأثيراتها والتاريخ الإسلامي البعيد هنا هو خير شاهد ويحدث عن نفسه, ومع كل ذلك نحن نقول إن الحركة الإسلامية هي متماسكةِ ومستمسكةِ بشعاراتها.
> أنت كبرلماني وقيادي سابق في مرحلة من المراحل بالمجلس الوطني بعض الناس ينظرون إلى أن مجلس الولايات هو جسم تشريعي لا داعي له فهو جاء بعد أول حكومة أعقبت الاستقلال وغاب طوال الحقب السياسية الماضية ولم يفتقده الناس وأتى بعد اتفاقية نيفاشا للسلام ولهذا يظل السؤال قائماً لماذا غاب كل هذه المدة ولماذا جاء الآن هل تفاكر السياسيون في ذلك من حيث الاحتياج الحقيقي والجدوى والمضمون أم ماذا ترى؟
< نحن كنا نعتقد ونعتبر أن مجلس الولايات هو في منزلة مجلس الشيوخ أي أنه يقوم بدور المراجعة وأن تكون له مواقف ورؤى فيما يختص بالقرارات التي تصدر من المجلس الوطني, وكذلك كنا نعتقد أن عضوية المجلس يتم انتخابها شأنه في ذلك شأن النائب البرلماني أي بمثلما يكون الانتخاب للبرلمان, وبالتالي هذا لم يتم فصار التعيين من قبل الولاية هو السمة الغالبة ولذلك صار أي عضو ولاءه للولاية التي التي جاءت به وللوالي, ولذلك أرى أن مجلس الولايات في تكوينه وفي سلطاته يحتاج إلى مراجعات.
> في قضية الإصلاح السياسي ما هي رسائلك التي يمكن أن توجهها فيما يختص هنا بمبدأ الحكم الراشد وإعمال الشورى والشفافية والمحاسبة؟
< حقيقة المطلوب هو تلمس الواقع من حيث التحديات والإشكالات ومن ثم وضع المعالجات, وما يثيره الناس من شبهات حول الفساد والترهل وعدم تمكين الشورى في كثيرٍ من السياسات وعدم المبالاة في الكثير من القرارات كل هذه أشياء يجب محاربتها والتصدي لها وتحتاج أيضاً لوقفة مراجعة جادة, وحسناً أننا نراجع في إطار الحوار كل العمل في إطار إصلاحنا الحزبي وفي الحركة الإسلامية, ومن هنا لا بد من السير قدماً في قضية الإصلاح والمعالجات بالدولة وجعل كسب رضا الناس هو الهدف الذي يجب أن يسعى إليه الجميع.
> عودة الصادق المهدي ماذا تقول عنها؟
< الصادق المهدي هو صاحب تطلعات كبيرة ونحن نعتقد أن تطلعاته هذه يجب أن تحكمها الأفكار والمبادئ والقيم التي جاءت به للقيادة, فالأنصار لهم قيم ومبادئ وبالتالي يتوجب على الصادق أن يرتبط بقيم ومبادئ الأنصار التي أوصلته إلى هذه المرحلة, ولكن أن يتعاون الصادق المهدي مع الشيوعي ومع المتمردين الذين هدفهم تخريب السودان فهذا طريق غير سليم, وبالتالي يتوجب عليه أن يُراجع نفسه وأفضل له مائة مرة أن يلتزم بمبادئ الحركة التي أوصلته إلى هذا الموقع, ولكن كما ذكرت وجوده مع المتمردين والمتفلتين ومع أعداء السودان لن يحقق له شيئاً, وأنا ليس لدي أدنى شك أنه إذا جاءت سلطة من الذين يتحالف معهم الصادق المهدي فأول شخص يتم التضحية به سيكون هو, لأن الذين يُقاتلون السودان الآن هم ضد توجه الصادق المهدي الفكري والحزبي, ولذلك أقول أن أي شخص ورث هذا المجد يجب أن يراجع نفسه من الناحية السياسية والفكرية ومن ناحية التحالفات ومن الأفضل أن يتحالف وينضم مع الجهة التي تحترم قيمه ومبادئه.
> وماذا تقول في محمد عثمان الميرغني رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل؟
< السيد محمد عثمان الميرغني ملتزم مع الناس بتعهداته ومبادئه ومنذ أن شارك لم يختلف في أي شيء فهو شارك وفق مبادئ وسياسات ومن شاركهم هم ملتزمون أيضاً بذلك.
> الأستاذ علي عثمان محمد طه كيف تقرأه كرقم في المرحلة القادمة؟
< علي عثمان وغيره من قيادات الحركة الإسلامية وقيادات الإنقاذ يجب أن لا يتخلوا عن العمل, والإنقاذ يجب أن لا تتخلى عنهم سواء كان حركة إسلامية أو حزب, وهؤلاء هم يعتبروا من الآباء المؤسسين الذين لهم من الخبرات والتجارب والفهم ما يغلب على الجدد, ولذلك يجب على السلطة أن لا تفرط في أمثال علي عثمان لأنهم كما ذكرت هم من الآباء المؤسسين والذين يحتفظون بالكثير من الأسرار والمواقف ومروا بالعديد من التجارب التي لا بد من الاستفادة منها فهم الذين يمثلون بقاء الإنقاذ منذ أن جاءت, وأنا شخصياً لم أكن مسروراً لابتعادهم عن الخطوط الساخنة في العمل الحزبي والتنفيذي ولو أنهم هم الآن مشاركين في عمل الحركة الإسلامية وفي الحزب وبالتالي لا بد من المحافظة على هؤلاء.
> هناك من يقول أن هؤلاء قدموا ما عندهم من أفكار وتجارب وعمل عندما كانوا في قمة الجهاز التنفيذي للدولة ولكن ليس من الحِكمةِ تجريبِ المجربِ في إشارة لبعض الإخفاقات التي صاحبت عمل الدولة في الفترة الماضية فماذا تقول أنت هنا في حق هؤلاء؟
< أي تجربة في الحياة وأي سلوك للإنسان وعمل هو غير مبرأ من الخطأ, والإنسان الذي لا يُخطئ هو الإنسان الجامد وليس المتحرك, أما من يتحرك فلا بد من أن يُخطئ ويصيب, ونحن مهما قيل عن أخطاء هنا وهناك في مسيرة العمل التنفيذي لهذه القيادات نجدها تتضاءل كثيراً أمام ما تحقق من منهج وسياسات وقيادة.
> هل سيظل قرار انفصال الجنوب جريرة ستلاحق الحركة الإسلامية؟
< لا أحسب ذلك لأن الجنوب ظل يبحث عن الانفصال منذ فترة ما قبل الاستقلال وظل الجنوب يُقاتل ويدمر في كل مقومات السودان وفي كل موارده البشرية والاقتصادية وفي النهاية لا بد من الوقوف في محطة.
> بعض الإسلاميين صغار أم كبار يحاولون ارسال إشارات سالبة أحياناً تقول إما أن يكونون هم في الحُكم وإما الطوفان كيف تنظر لمثل هذا القول إن وجد؟
< الحركة الإسلامية هي المؤتمر الوطني في النهاية ونحن من مبادئنا أن كل عضو حركة هو عضو في المؤتمر الوطني ولكن ليس كل عضو في المؤتمر الوطني هو حركة إسلامية, وبالتالي ما دام قد اتسع الماعون وتم استقطاب أعداد كبيرة فاعلة ونشطة في المجتمع وقد لا تتفق معك فكرياً ولكن هي تتفق في السياسات والتوجهات وفي بناء السودان وبالتالي فالحركة الإسلامية ليست بالضرورة أن تتولى كل العمل وكل أمر من الأمور ولذلك فمن يقول بغير ذلك يكون هذا طموح غير واقعي (الاستئثار بكل المواقع), وطالما أن الحركة الإسلامية قد انفتحت فلا بد من قبول الآخرين.