الخميس، 27 أبريل 2017

board

(الإنتباهة) تصطاد القيادي السابق بالحركة الشعبية ين ماثيو

حوار: ملوك ميوت
 في نصف المساحة التي نبحث فيها عن القيادات الجنوبية وجدنا الأستاذ ين ماثيو شول الكادر الذي كان رجل المهمات الصعبة يوماً ما في صفوف الحركة الشعبية حتى ساعة المفاصلة في العام (2013).

(الإنتباهة) حاورته عبر الواتساب من مقر إقامته بنيروبي حيث أكد أن هناك مياه ودماء كثيرة جرت من تحت جسر الواقع السياسي المأزوم في دولة جنوب السودان، وهنالك قيادات ناضلت سنيناً عجافاً في الأحراش ولم تجد أبسط كلمات الشُكر والثناء في ظل حكومة سلفا كير، بل شُردت وغُيبت من واقع الأحداث مع سبق الإصرار والترصد . السطور أدنها تحمل الكثير  فنطالعها معاً:
> هنالك مناضلون تم اعتقالهم في سجون النظام بدولة الجنوب بعد وقبل الأحداث فكيف تبدو الأوضاع؟
< تنهد آه..إن النوايا السيئة  تغتالك يا وطن . نعم.. في الحقيقة بعد عزل المناضلين الشرفاء واتخاذ إجراءات عقابية بحقهم وظهور مجموعة العشرة على السطح انتقلنا من رداءة الفعل إلى الفعل الممنهج المتواصل والمتراكم. المعتقلون يتعرضون لصنوف مختلفة من التعذيب النفسي والمعنوي والجسدي على مدار اللحظة بدءاً من أشكال الاعتقال التعسفي ومروراً بالتعذيب واستخدام القوة المفرطة وانتهاءً بالحرمان من الزيارات والعزل الانفرادي في الحفر المظلمة تحت الأرض وعدم توفير أبسط الاحتياجات الأساسية للمعتقل من مأكل ومشرب وعلاج. وبالتأكيد هذه الممارسات من قبل نظام يستهدف المناضلين الوطنيين وهذه الجريمة ترتقي  إلى مصاف جرائم الحرب . وإذا كانت القاعدة هي احترام حقوق الإنسان، فإن القاعدة في سجون نظام جوبا عكس ذلك تماماً فهي انتهاكات لا حدود لها مما يتطلب تدويل هذه القضية واستخدام آليات جديدة وأدوات نضالية فعالة. ففي الجنوب بلغت الأمور إلى حد تعجز الكلمات عن وصف السجون التي امتلأت بالأبرياء لا محاكمات ولا يسئل عنهم ولا يعرف لهم مصير ومن يسأل عنهم يعرض نفسه لمشاكل كثيرة مع الأجهزة الأمنية . واليوم في غياهب سجون نظام جوبا آلاف من المناضلين الأفذاذ يعانون الألم والحرمان والظلم والجور والقهر وتكسرت على صخرة صمودهم غطرسة السجان والجلاد. مناضلون رفضوا حياة الذل والهوان والخضوع والانكسار وقالوا بأعلى صوتهم لا وألف لا لبقاء نظام سلفا كير الاستبدادي الشمولي الدموي الحاقد في سدة الحكم في جنوب السودان وإن كل من حمل السلاح من المناضلين عرفوا أن أمر البلاد والعباد تولاها أحقر الناس وأرذلهم واستباحوا دماء الشعب الجنوب سوداني ودمروا مقدراته.
> كيف تبدو الأوضاع الإنسانية في جنوب السودان؟
< طبعاً وفقاً للتقارير التابعة للمنظمات الإنسانية الدولية العاملة في جنوب السودان والتي قدرت نسبة عدد اللاجئين الجنوبيين الفارين من الحرب والمجاعة من جنوب السودان الى الدول المجاورة بحوالي (4) ملايين نسمة ناهيك عن عدد الذين نزحوا الى الاحتماء بمقرات الأمم المتحدة والذين يقدروا بـ(1750000) مواطن وتؤكد نفس التقارير ارتفاع مُضطرد في نسب الاغتصاب والتي وصلت الى(18%). ومن ناحية التعليم فحدث ولا حرج بعد أن ظلت المدارس مغلقة منذ اندلاع المعارك في العام(2013 )م ولا توجد أدنى او أبسط الخدمات للمواطن وفي ظل هذه المعمعة انتشار ظاهرة الاعتقالات التعسفية الجائرة في حق الأبرياء والاغتيالات اليومية التي وصلت الى نسبة ما بين(1 إلى2) شخص يومياً هذا لوحده يبرهن على المآسي الإنسانية التي يعانيها المواطن في جنوب السودان.
وأما من ناحية تردي الوضع الإنساني الاجتماعي الاقتصادي يعد ان سقطت البلاد فيه مما فتح الباب واسعاً الى المجاعة التي اجتاحت كل ربوع البلاد وتدخلت الحكومة في الاحتياطيات لشراء السلاح والذخيرة الى أن وصلت ديون دولة الجنوب الآن الى مبالغ تعدت الرقم المثالي للدولة الناشئة وأصبحت الآن تشتري السلاح والعتاد الحربي بـ(الدين) مع العلم بأن بترول جنوب السودان قد تم بيعه قبل استخراجه من الأرض بمعنى حتي لو جاء السلام في الجنوب يوم من الأيام فإن المواطن لا يجد موارد طبيعية لا في باطن الأرض ولا ظاهرها.
> ماهي الأسباب التي أدت الى انشقاقك من الحركة الشعبية  مع إنك كنت الناطق الرسمي باسمها ؟؟
< طبعاً انشققت من الحركة الشعبية نتيجة غياب الإستراتيجية الواضحة التي تجاوب عن أسئلة مرتبطة مباشرة بواقع الدولة الجديدة وكان من الأجدر أن تجيب الحركة الشعبية أولاً عن سؤال  ماذا بعد الانفصال ؟؟ وبمعنى آخر .أية دولة نريدها نحن الجنوبيون بعد ما أعلنا الانفصال؟؟. ولم تستجب للحديث على كيفية وضع الخطط الإستراتيجية الاقتصادية فلم تستجب قيادات الحركة الشعبية لصوت العقل والمنطق وروح المسؤولية الوطنية في ذاك الوقت. فماذا تريد الحركة الشعبية بعد ما أصبحت هي الحاكم والجلاد في جنوب السودان؟ وبمعنى أكثر وضوحاً هل تريد أن يكون جنوب السودان دولة شعوب كما هو الحال في الهند وبقية الأقطار الأوروبية التي تواكب التطور، إم دولة أُمة خالدة متخندقة في نفسها، إم دولة أحادية ذات قبيلة خالدة؟ كما هو الحال  على مسرح الواقع الصادم في جنوب السودان؟ إم تريد دولة تنصهر فيها الأمة الجنوبية في بوتقة واحدة .الحركة الشعبية كحزب سياسي غير مؤهل لقيادة دولة وليدة مقل جنوب السودان لأنها عديمة النظرة الثاقبة ولا تحتوي على مؤسسات منسجمة تكون متمكنة وقادرة على إدارة الدولة وكان من الأولى أن تعد نفسها وطنياً وفكرياً، أو ترتضي بالتحالفات مع من اقتدوا بفداء الأمة الجنوبية بالإخلاص من الأبناء والبنات الذين أنجبتهم الاُم الجنوبية من رحمها وهم (كُثر) وبرغم كل هذه التحديات ظلت الحركة في نشوة سُكرة السلطة لأنها كانت تُدار بالريموت كنترول من خارج مؤسساتها الحزبية ولم نسمع يوماً بأن عقدت قيادات الحركة الشعبية جلسات او محاورات او مناقشات او مداولات (سميها كما شئت) حول الكيفية التي يمكن أن تدار بها الدولة الوليدة. لأنه من المفترض أن تكون هناك إستراتيجيات وخطط عقدية وقرنية توضح الخيوط الضبابية من البيضاء لمستقبل الأمة التي وجدت نفسها في ذيل قائمة الدول الحديثة الفاشلة. إن كل المناقشات التي كانت تدور في أضابير المكتب السياسي للحركة الشعبية لم تناقش لُب القضايا الأساسية التي تعتبر أنها من الضروريات لأنها تمس حياة المواطن  العادي، بل كانت الجلسات والقعدات لم تكن سوى غزلية  حول الرئيس (قام) والرئيس (قعد) وكلها ليست موضوعية أضاعوا فيها الوقت الذي كان يمكن أن يجدوا فيه كل الحلول ولكن ..للأسف الشديد!!. وصرفوا من مال الدولة فيها بإسراف كبير دون رحمة ولا خوف من خالق او مخلوق ثم نشروا الفساد في كل شبر من الأرض. وكانت يُصرف في اجتماعات المكتب السياسي مبلغ قدره (400) مليون جنيه جنوبي ناهيك عن زيارات الوزراء الخارجية رغم أنها غير رسمية. فكل المسؤولين في الدولة يسافرون الى أجمل العواصم المشتهرة بجمال حسناواتها لقضاء عطلة (الويك إيند) نهاية الأسبوع وكل ذلك على نفقة الحكومة وبدون محاسبة أو من أين لك هذا. يا..؟؟ وكذلك نؤكد عدم وجود رؤية إستراتيجية للحركة الشعبية حول التعليم بالبلاد لتطبق قاعدتها القائلة (البلد ده ما بي شهادات حررناه بكلاشنكوف) فاختلط الحابل بالنابل في كل زاوية من الزوايا الجغرافية لحدود جنوب السودان وتجد في أقصى شرق ولاية أعالي النيل مع الحدود الاثيوبية تُدرس المقررات الاثيوبية والمقررات اليوغندية والكينية في الاستوائية وبحر الغزال وبقية ولايات العقد الفريدلا توجد مناهج تخص دولة جنوب السودان وهذا يعني الفشل الناجع في عدم التخطيط الإستراتيجي في مجال التعليم .
> هلا اطلعتنا على نماذج من الفساد المستشري في مفاصل الدولة؟
< ظاهرة الفساد ليس جديدة على المسؤولين في جنوب السودان ولكن الغريب في الأمر هو أنهم يعملوها بصورة واضحة  وعلنية وبدون محاسبة او مساءلة من جهات عليا. فمثلاً في عقود البناء والتشييد بعد الاتفاق بين الوزير والمستثمر يرفع السيد الوزير تقريره مشفوعاً باليمين يؤكد انتهاء العمل بالمشروع ويصدق بصرف حقوقه المتفق عليها في العقد ويتم كل ذلك في غضون أيام لا تتعدى الثلاثة وفي الآخر يتم تقاسم الكعكة مناصفة بين الوزير والشركة . هناك أعمال بدرت من مسؤولين حكوميين يشيب لها رأس الجنين قبل الميلاد إذا كان رئيس البلاد نفسه يشجع الفساد ويعطي العطاءات لذويه دون الآخرين ولديَّ مستندات وتوجيهات رسمية تثبت تورط الرئيس سلفا كير في كثير من عمليات انتشار ظاهرة الفساد الممنهج والتقليدي .
> يُقال إن جرائم الجيش  الشعبي ضد المواطنين لم تكن بدايتها في أحداث العام (2013)م ?
< نعم.. صحيح هذا الكلام مثلاً في العام 2011م ورد الى السكرتارية العامة للحركة الشعبية تقرير يفيد بل ويؤكد تورط قوات الجيش الشعبي في عمليات القتل والاغتصاب ونهب ممتلكات المواطنين في  منطقة البيبور التي تقطنها قبيلة المورلي وأيضاً في ولاية غرب بحر الغزال ومناطق الشُلك وتم تكوين لجان حزبية لمتابعة هذه القضية مع ذوي الصلة من الوزراء وقبل أن تكمل اللجان عملها تفاجأنا بقرار من الرئيس لحل هذه اللجان وهذه ليست المرة الأولى يجهل فيها الرئيس سلفا كير قرارات وتوصيات المكتب السياسي للحركة الشعبية أو مجلس التحرير فيا تُرى هل الحكومة حكومة الحركة الشعبية أم الحركة الشعبية حركة حكومة؟؟ فهذه الأحداث وثَّقتها جميع المنظمات الإنسانية .
> ما جدوى خُروجكم من تمرد إلى تمرد آخر ؟؟
< إن كانت الحكومة في جوبا لا تحترم المؤسسات فتذكر أن  الحركة الشعبية المعارضة لا تقل من أختها بمدينة جوبا ولم أجد فرقاً بعد دراسة مضنية وتجربة دامت (4) سنوات لم أجد فرق بين حركة رياك مشار وحركة سلفا كير فكلاهما (وجهان لعملة واحدة) مع إننا حاولنا تصحيح المسار إلا أن الحظ لم يحالفنا وبالحقيقة نحن نجد أن اتفاقية أغسطس لم تخاطب وسائل العدل والمحاسبة لمرتكبي الجرائم والأغرب من ذلك هو أن المعارض استعجل على التوقيع على الاتفاقية قبل الحكومة لا لأي سبب لأنها ضمنت الضالة (الكعكة) في منصب الرجل الثاني في الدولة وهذا هو الهدف الأول والأخير وقد اعترانا الاستقراب حين رأينا قيادات المعارضة تستعجل السفر الى جوبا في وقت لم تنفذ فيها الحكومة ترتيباتها (الأمنية) قبل قدوم رئيس المعارضة . فحين يكون التمرد مجرد تصور شكلي للاحتفالات لا يستوفي شروط التغيير الذي أقعد البلاد في الدرك السحيق، فالمعارضة التي يقودها رياك مشار إذا استلمت زمام الأمور في جنوب السودان فأسباب الحرب لم تبارح مكانها، بل ستكون الأمور أكثر تعقيداً. فالدكتور رياك مشار غير قادر على توفير أدوات ووسائل قوية لإزاحة النظام والخطير في الأمر هو الضبابية التي تلتف حول حركة رياك مشار مع عدم وضوح الرؤى والأهداف. فهل يمكن تغيير نظام قبلي طارد بنظام قبلي أكثر فشلاً أم نريد نظاماً جديداً يضمن لشعب جنوب السودان حقوقه ويحفظ كرامته وحريته وازدهاره وإصلاحات سياسية واقتصادية وأمنية تصب كلها في استقرار البلد وأهلها .
> هل هنالك بين المعارضين الجنوبيين بصيص أمل لتوحيد الصفوف في حركة واحدة ؟
< في تقييمي ومتابعاتي لمشهد الحراك السياسي في جنوب السودان عن كثب فالنظام في جوبا اليوم في أضعف مراحله ومع ذلك فهو باقٍ في السلطة . لماذا؟؟ الإجابة يدللها ضعف المعارضة الكلاسيكية ونحن لقد اجتهدنا كثيراً بعد تشخيص الداء الذي وطد جذور النظام ونحن بدورنا تحركنا وأدرنا حوارات عميقة بصورة سرية مع شخصيات وطنية داخل النظام وأُخري داخل المعارضة التي ملأت الدنيا ضجيجاً وصراخاً وعويلاً.هذه الحوارات نتجت عنها ميلاد جبهة الخلاص الوطني لذلك ندعو بكل صدق وأمان جماهير شعبنا الصابر للالتفاف حول جبهة الخلاص الوطني والانضمام الى صفوفها اليوم قبل الغد لأن هذه الجبهة تمثل كل ألوان الطيف السياسي والاجتماعي لجنوب السودان.