السبت، 23 أيلول/سبتمبر 2017

board

المبعوث البريطاني الخاص بالسودان وجنوب السودان كريس تروت:

حوار: سلمى محمد آدم إسماعيل- ترجمة: فاطمة عيسى - خدمة SMC

ناقش المبعوث البريطاني الخاص بالسودان وجنوب السودان، كريس تروت مؤخراً مع عدد من المسؤولين السودانيين أبرز القضايا التي تهم الجانبين كالهجرة غير الشرعية والعلاقات الثنائية والحوار الإستراتيجي بين البلدين وجهود السلام.

وكانت اجتماعات التشاور الإستراتيجي بين البلدين قد بدأت في مارس 2016 بالعاصمة السودانية الخرطوم، باعتبارها أول محادثات من نوعها على هذا المستوى الرفيع بين البلدين منذ 25 عاماً، حيث اتفق السودان وبريطانيا على زيادة التعاون في مجالات الاقتصاد والاستثمار والثقافة. السيد تروت يزور السودان للمرة الرابعة، وخلال زيارته الأخيرة جلس إليه المركز السوداني للخدمات الصحفية (SMC) وأجرى معه الحوار التالي:
> لنستهل هذا الحوار بالسؤال عن الحوار الإستراتيجي بين السودان وبريطانيا، وما الذي حققه حتى الآن؟
< العلاقة بين السودان وبريطانيا علاقة قوية وتاريخية، ولكنها قد ضعُفت مع الوقت وأصبحت معقدة للغاية. والحوار الإستراتيجي مع السودان هو الحل الأمثل لإعادة بناء العلاقات بين البلدين وتحديد السُبل التي تمكننا من العمل معاً كشركاء، كما أنه وسيلة لمعالجة الخلافات بيننا. أعتقد أن ما حققه الحوار حتى الآن أنه مكّننا من الجلوس في ثلاث مناسبات والتحدث عن الأشياء التي نتشاركها والخلافات بيننا، وتقاسُم رؤية مشتركة لمستقبل علاقاتنا.
> كيف تجد التعاون مع الحكومة السودانية؟
< علاقتي جيدة مع حكومة السودان، فعندما جئتُ الى هنا ، تشرفت بمقابلة كل من الوزير ووكيل وزارة الخارجية، وفي لندن علاقتي جيدة جداً مع السفير السوداني هناك. في الواقع أنا كثير السفر، وكلما أذهب الى دولة ما، أحاول التعرُف الى السفراء السودانيين بتلك الدولة، وأجد منهم استقبالاً حافلاً دائماً. لقد زرتُ الصين الأسبوع الماضي وتعرفت الى السفير السوداني هناك، وقبل ثلاثة أسابيع ذهبتُ الى طوكيو وقابلت السفير السوداني أيضاً، وأنا الآن أعرف الكثير من المسؤولين السودانيين في أنحاء العالم وعلاقتي معهم جيدة جداً.
> هناك جهود كبيرة تُبذل لتقديم المساعدات ورعاية اللاجئين والمتضررين من الصراع في السودان و جنوب السودان، غير أن هناك جهد أقل بكثير يُبذل لإيجاد حلول دائمة، ماذا تقول في ذلك؟
< لا أوافقك الرأي. في الواقع، هناك كثير من الجهود التي تُبذل في سبيل تقديم المساعدات، وتحديداً المساعدات الإنسانية. لكن في حالة السودان، فإننا نحاول أن ننظر أبعد من المساعدات الإنسانية فقط، محاولين مساعدة الناس لتحسين سبل معيشتهم، والنظر حول قضايا التنمية. وهنالك كثير من الجهود تُبذل في هذا الشأن، كما أن هناك جهد مبذولة فيما يختص بالعملية السياسية. وهنا يكمن دوري كمبعوث (للترويكا)، حيث يتوجب عليَّ العمل جنباً الى جنب مع رئيس الآلية الإفريقية رفيعة المستوى ثامبو أمبيكي. ربما وصفت ذلك بشكل صحيح، في الواقع أشعر بأني أعمل لصالحه بطريقة ما، فهو لديه رؤية محددة في جمع الأطراف مع بعضهما البعض. و دوري هنا يكمن في محاولة حث الأطراف على الإيفاء بالالتزامات التي قطعتها على نفسها وإيجاد سُبل للتغلب على العقبات التي تعترض عملية السلام في كل مرة، كما أن هنالك التزام من قبل الحكومة البريطانية، وهذا هو جزء أساسي من حوارنا الإستراتيجي.
> ما هي التحديات او الصعوبات التي واجهتكم؟
< يبدو أن التحديات تتغير، ولكني أعتقد أن إحدى الصعوبات الحقيقية التي نواجهها في الوقت الراهن هي أن الأحزاب السياسية وبعض الجماعات المعارضة في نزاع فيما بينها، مما يصعب النقاش على طاولة المفاوضات، كما أشعرُ بقلق بالغ إزاء التحديات التي تواجه قادة الحركة الشعبية لتحرير السودان(قطاع الشمال)، وقد تمكنت من مقابلة قادة الطرفين محاولاً تشجيعهم لوضع خلافاتهما جانباً والمشاركة في عملية السلام. والشيء الوحيد الذي اتفق عليه كل من قابلتهم من السودانيين وقالوه بصوت عالٍ "نريد أن يحل السلام في بلادنا"، وكل ما أسمع ذلك أجدد التزامي بالمحاولة لجعلهم يشاركون بجدية في عملية السلام.
> هل ترى أن السلام سيحل المستقبل القريب؟
< أنا مازلت متفائل الى حد ما، فخطة ثامبو أمبيكي جيدة جداً، أعتقد أنه بمساعدتنا قد يتمكن من دفع معظم الأحزاب السياسية والمجموعات المعارضة للتوقيع على عملية السلام. وأعتقد أنه وضع عملية واضحة يمكننا من خلالها تحقيق السلام بوقف العدائيات، كما يمكننا تقديم الدعم للناس في جميع أنحاء البلاد من خلال بعض اتفاقيات الوصول الإنساني. وفي النهاية قد تجلس الأحزاب للتحدث عن السلام، لكن وكما يقولون إنهم لا يريدون التحدث عن السلام عندما يكون الناس جوعى أو معرّضين لخطر القتل أثناء الصراع، لذلك نحن بحاجة الى أن نجتاز هذه العملية، فهذا هو الحل المنطقي وأشعر بأننا على وشك ذلك إذا تمكنا من إيجاد طريقة للتغلب على الانقسام داخل الحركة الشعبية، ونحن قريبون جداً من إحراز بعض التقدم في ذلك، وأعتقد أن المجتمع الدولي وجميع أصدقاء السودان بحاجة للعمل على دعم هذه العملية.
عندما ذهبتُ الى الصين واليابان لم يكن للتحدث الى السفراء السودانيين هنالك، بل ذهبت للحديث مع الحكومات الأخرى التي تعد شريكة للسودان حول جهود (الترويكا) لدعم ثامبو أمبيكي وللتشجيع على نقل رسائل عملية السلام.
> هلا تحدثنا قليلاً عن الحوار الوطني الذي جرى في السودان مؤخراً؟
< الحوار الوطني يعد جزءاً مهماً في النقاش، فأول مرة أتيت الى السودان، كانت قبل نهاية الحوار الوطني، ولقد سرني ذلك كثيراً لأننا كنا قلقين جداً من أن ينتهي الحوار الوطني قبل انضمام الأحزاب المعارضة التي تقطن خارج البلاد والحركات المسلحة. وكان قلقنا بأنهم سيشعرون أنهم مستبعدون، وعندها سيشعرون أن هذه العملية سياسية لا تستحق الخوض فيها، ولكن رئيس الحوار الوطني أكد لي أنها بداية النقاش عن مستقبل العملية السياسية في السودان، وهذا هو المهم.
لقد جئت للتو من لقاء مع الأمين العام لحزب المؤتمر الشعبي، حيث تحدث عن نهجهم في مخرجات الحوار الوطني، وأنهم حقيقة يريدون البناء على ذلك من أجل ضمان وجود اتفاق حول تشكيل المستقبل السياسي للسودان.
> هذا يعني أن المملكة المتحدة تدعم جهود السودان في الحوار الوطني؟
< نعم، نحن نؤيد جميع جهود الحوار لأنها يجب أن تكون جزءاً من عملية السلام، وأتمني أن تجلس قوى نداء السودان والحكومة والحركات المسلحة والمعارضة، واستخدام ذلك كأساس للمناقشة، لكنه لا يمكن أن يكون الأساس الوحيد للنقاش.
> لقد سافرت إلى دارفور مراراً، ما هو تقييمكم للوضع السياسي والإنساني هنالك؟
< حسنا.. أعتقد أن هذا شيء نُوقش بشكل مطول في نيويورك مؤخراً مع تجديد ولاية بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة. ما يجب علينا أن نعترف به هو أن الوضع الإنساني والأمني ​​في دارفور آخذ في التغيير، ولكن هذا لا يعني أن الصراع قد تم حله.. وطالما أن هناك توتر، وطالما أن الناس يشعرون بعدم القدرة على العودة من معسكرات النزوح إلى مناطقهم، أعتقد أنه سيكون هناك دور لليوناميد في دارفور، ولكن ليس ضرورياً في الأماكن التي كانت فيها على مدى السنوات العشر الماضية، وهذا هو السبب في أن (اليوناميد) أغلقت عدداً من قواعدها، ولكن في الواقع طلبت فتح قاعدة واحدة في جبل مرة، وأنني آمل فعلاً أن أذهب إلى جبل مرة هذا الأسبوع وإلى قولو، حيث أوصت البعثة بفتح قاعدة لتوفير الأمن للناس هناك. و في آخر مرة كنت فيها في دارفور، ذهبتُ إلى شرق دارفور، وشاهدتُ مقدار الدعم الكبير الذي يقدمه السودان لجيرانه، حيث ذهبت لزيارة مخيم للاجئين الذي تم إنشاؤه مؤخراً بالقرب من مدينة "الضعين" للاجئين من جنوب السودان، وأحد الأمور التي أقدرها دائماً هو الدفء والترحيب الذي أعطته حكومة السودان والشعب السوداني مرة أخرى إلى للجنوبيين الذين أجبروا على الخروج من ديارهم بسبب الصراع.
> وماذا عن التعاون بين المملكة المتحدة والسودان في مكافحة التهريب والهجرة غير المشروعة؟
< أعتقد أن المملكة المتحدة تدرك أن الهجرة بجميع أشكالها تضغط على السودان كما تضغط علينا أيضاً، هناك عدد من السودانيين الذين هاجروا إلى المملكة المتحدة، فالسودان مُصدِّر للهجرة، ولكنه أيضاً نقطة عبور للهجرة ووِجهة للمهاجرين القادمين من الدول المجاورة، ومن البديهي أن تكون الأولوية لمعالجة أسباب الهجرة، في المقام الأول وقف الناس من التحرك، لأنه في النهاية لا أحد يريد أن يترك موطن أجداده.
ولكن إذا كان بوسعنا العمل في شراكة مع السودان لإدارة الطريقة التي يتحرك بها الناس عبر هذا البلد او خارجه، أعتقد أنه أمر جيد لكل من السودان وأوروبا. فالشراكة مهمة جداً، ولا سيما علينا أن نحاول وقف العناصر الإجرامية التي تستخدم الهجرة كوسيلة لكسب المال، واستغلال الناس الذين هم في أمسَّ الحاجة.
> هل يمكن أن تكون أكثر تحديداً؟
< تشمل الشراكة العمل بالتعاون مع وكالات إنفاذ حكم القانون، وهي تنطوي على تبادل المعلومات عن الطريقة التي يتحرك بها الناس، وهو في الواقع طريقة مهمة في بناء جدول أعمال للتعاون المتعدد الجنسيات. هذا لا يقتصر فقط على المملكة المتحدة والسودان ولكن الاتحاد الأوروبي والسودان كذلك، هنالك عملية تسمى (عملية الخرطوم) ، هذه العملية لا تقتصر فقط على الهجرة في السودان، ولكن خلال شرق إفريقيا بشكل عام، بالإضافة الى قضايا أخرى مثل مكافحة الإرهاب والتغيُّر المناخي. فمثل هذه القضايا لا تحدها حدود الوطنية. وهذا يرجعنا الى السؤال الأول حول الحوار الإستراتيجي، وهذا يفسر لم علاقتنا قوية ومهمة، ولم علينا الاهتمام ببعضنا البعض؟، فنحن بحاجة الى معالجة هذه القضايا ومعالجتها معاً.
> إلى أي مدى تدعم المملكة المتحدة رفع العقوبات عن السودان؟
< تدعمها كثيراً جداً، وقد قلنا ذلك علناً، وقد قلنا ذلك للحكومة السودانية وللحكومة الأمريكية، وكانت رسالتنا في يوليو لكلا الجانبين هي أننا سنكون حريصين جداً على مواصلة العمل معاً لضمان رفع العقوبات في أكتوبر المقبل. ونحن ندرك أن هناك عملية وراء ذلك لأن هذه هي الدفعة الأولى من العقوبات، كما نرى أن رفع العقوبات الأمريكية من شأنه أن يوفر دفعة للاقتصاد السوداني وهذا يصب في مصلحة الجميع. ونحن نشجع أصدقائنا الأمريكيين والحكومة السودانية على مواصلة المشاركة في هذه العملية.
أنا مدرك أن هناك خيبة أمل من عدم رفع العقوبات في يوليو، ولكن علينا أن ندرك أن عملية صنع القرار الأمريكي معقدة للغاية في الوقت الراهن، فهنالك إدارة جديدة بينما قُدم المقترح في ظل الإدارة السابقة، فهم أرادوا أن يكونوا واثقين ومرتاحين لهذا المقترح قبل تنفيذه، وآمل أن يتعاون الجانبان في سبيل رفع هذه العقوبات في أكتوبر المقبل.
> ما هي كيفية التعاون بعد رفع العقوبات، مع القطاع المصرفي في المملكة المتحدة والشركات؟
< لاتزال هناك صلة تاريخية بين الشركات في بلدينا، وأعتقد أنه سيكون هناك شركات في كل من المملكة المتحدة والسودان التي تريد أن تتعرف الى بعضها البعض. مرة أخرى. فالفجوة التي بينهما استمرت فترة طويلة جداً، وكما هو واضح أن القطاع المصرفي يعدُ أقوى الصناعات في بريطانيا، وسيكون حريص جداً على رؤية القطاع المصرفي الذي سيكون على شراكة معه لدعم العلاقة التجارية بين البلدين.
فبالنسبة لنا لم يتبوأ السودان مكانته بعد من حيث موقفه الدولي ووضعه الاقتصادي. نحن على مفترق طرق في إقليم مهم، وهذا يعطي السودان والمملكة المتحدة فرصة للشراكة مع بعضهما البعض، ونأمل أن ترفع العقوبات عن السودان فذلك يصب في تجديد اهتمامات البلدين بعلاقاتهما التجارية.
وأنا أعلم أن السفارة هنا، ولا سيما السفير مايكل آرون، يعمل بجد لتوقع رفع العقوبات.
> هل يمكننا أن نقول إن هناك ترتيبات معينة يجري وضعها؟
< نعم.. لقد بدأنا هذا الحوار ببدء ترتيبات للنقاشات، كما بدأنا حوار مع الشركات السودانية، وقد ذهب السفير مايكل أرون إلى لندن وتحدث مع الشركات البريطانية هنالك، كما تحدث كذلك لجمعيات التصدير البريطانية حول تجديد اهتمامها.
في الواقع كانت لدينا بعثة تجارية صغيرة واحدة أتت إلى هنا بالفعل للنظر في الفرص، وهذا كان جزءاً من تركيزه خلال زيارتيه الأخيرتين إلى لندن.
> وماذا عن جهود تخفيف عبء الديون؟ كيف تساعد المملكة المتحدة السودان في ذلك الشأن، مع أن أحد العوامل المهمة هي إستراتيجية فعالة للحد من الفقر؟
< نعم.. هناك عنصر سياسي لتخفيف الديون، ولكن هناك أيضاً عملية تقنية معقدة جداً لكل بلد يريد أن يعالج ديونه، ونحن بالتأكيد، قدّمنا ​عرض لحكومة السودان بأننا سوف نساعدها في هذه العملية التقنية. ولكن ذلك لن يحدث بين عشية وضحاها. لذلك أول ما يجب أن يوجد هو إستراتيجية الحد من الفقر. ونشجع الحكومة السودانية على العمل بسرعة لوضع إستراتيجية موثَّقة للحد من الفقر، ونعمل لذلك في شراكة معهم، وسيكون ذلك أساس النقاش بشأن تخفيف عبء الديون. وأخشى أن هذه تكون عملية بطيئة ومعقدة، ولكن "وكالة التنمية الدولية" في السودان انخرطت بالفعل مع الحكومة السودانية في مناقشات حول الجانب التقني للديون.
> لقد زرت السودان عدة مرات، ما هي بعض التجارب التي حدثت معك؟
< أخذتُ معي دفء الشعب السوداني وعمق التاريخ وحب النيل. جئتُ إلى إفريقيا لأول مرة منذ أكثر من 30 عاماً لتعليم اللغة الإنجليزية وكان مقرها في المنصورة في مصر، هناك أخبرني الناس بأنه اذا شربتُ من النيل، فإنني سأعود الى هنا دائماً، كنتُ متردداً قليلاً في الشرب من النيل في الدلتا، لم أكن مقتنعاً بأنني سأبقي على قيد الحياة، أو أنني لن أغادر اذا شربت منه، لكني انتهزت فرصة زيارة سد أسوان للشرب من النيل، وقد استغرق الأمر 30 عاماً، ولكن في اليوم الذي سافرت فيه عبر نهر النيل للهبوط في مطار الخرطوم، شعرتُ أنني قد أتيت إلى وطني، وقد استقبلتُ بحفاوة، وآمل أن أتمكن من خلال اهتمامي ومشاركتي من بناء مستقبل أكثر إشراقاً لبلدينا.