الثلاثاء، 21 تشرين2/نوفمبر 2017

board

بين عباءة الواقع وخباء العامرية

> لم تواجه الحركة الإسلامية السودانية لغطاً وتدليساً وتجابه تحدياً يستبطن تهديداً لوجودها.. كما يحدث الآن!..! ولم تبلغ الحيرة مبلغاً غائراً لدى أبنائها كما هي حيرتهم التي تلفهم اليوم وربما تستمر للغد الطويل،

فبعد أن كانت أفضل كيان حديث يقوم على الفكر والتربية والمنهج الحق ووعاء سياسي وتنظيمي منضبط في تاريخ السودان، ها هو دورها ووجودها عرضةً للقيل والقال وكثرة السؤال وربما إضاعة المال، وها هي تبحث عن نفسها في نفسها، وتفتش عن ذاتها في ذاتها، وتحاول الحفاظ على ميراثها وسط جمهرة الأيتام وأعينهم تغرورق بالدمع المسفوح على رصيف التجربة، وهي بين تلاطم الأمواج حولها والتربص الأرعن والعداوة الهوجاء!!
> بعد ختام اجتماعات مجلس شوراها بالأمس وبيانها الختامي، زادت الأسئلة إلحاحاً ولزوجةً وتشابكاً، كان الناس يتوقون بعد أن تعاموا عمداً وإشفاقاً، أن تتكئ أسئلتهم على جذوع الإجابات الشافية أوتادها الراسخة، فالحركة وضعت بين حجري الرحى، فلا هي تمارس دورها الذي ولدت به وقامت عليه وتأسست بنهجه في قيادة العمل السياسي والفكري وإعمار الحياة العامة كلها بلا فصام بين ما هو سياسي ودعوي، ولا هي زاهية في ما يبدو للوهلة الأولى أنه لا يليق بها من رداء تتزيأ به أو دور تستفرغ الوسع في الاجتهاد في سبيله، فكونها محصورة فقط في النشاط الاجتماعي والتربوي بلا سياسات يقربها من هيئة الختمية أو هيئة شؤون الأنصار، وهذه تركيبة استعمارية ابتدعها الفكر الاستعماري قديماً للتفريق بين السياسة وروح المجتمع السودانية الحية التي كانت مشتعلة في القلوب.. فلا يعقل بعد الميراث التليد والمشروعية التي كسبتها الحركة الإسلامية بالمجاهدة ونضاء الفكر في معالجة كل أقضية الحياة وتحدياتها وهمومها، أن يتراجع دور الحركة إلى مساهم مع آخرين في تزكية المجتمع والتكافل، ولا يكون لها سهم وواجب إلا عن طريق غير مباشر هو الحزب الذي تدعمه أو أسسته لما للسياسة، وتكتفي هي بما للمسجد والخلوة والجلوة.
> من واجب أبناء الحركة بالفعل كما أشار بيان مجلس الشورى ومبررات التأجيل للمؤتمر العام، أن يصوبوا النظر الدقيق والعميق إلى مستقبل حركتهم وفاعلية نشاطها وترميم ما تصدع في جدرها وسياجاتها الفكرية والتنظيمية، فالمؤتمر العام التاسع في العام القادم يستحق أن يحضر له بجدية، وأن تبذل اللجان كل ما عندها من جهد لاستكناه الدور المرتجى والمطلوب ووضع الحركة في مكانها الطبيعي والطليعي لقيادة المجتمع والدولة، ونلحظ أن سمة غالبة بدأت تظهر في كثير من الحركات الإسلامية، يضطرها ظرفها الخاص إلى التفريق بين ما هو دعوي وسياسي كما فعلت حركة النهضة التونسية وهو توجه اقتضته الضرورة، لكن ذلك ليس مبرراً ولا مناسباً للحركة الإسلامية السودانية التي استوعبت واقعها وظلت واعية بالنهج الصحيح والبقاء على السطح والواجهة مصحفاً وسيفاً ودعوةً وسياسةً.. فشمول المنهج هو فكرتها، وأن تحيط بواقعها كله وتتعامل معه هو سبيلها.
> ما بين أمرين مهمين تبدو المعضلة الفكرية والسياسية، إن كانت الحركة ترى أنها بحزبها صارت المحرك لشؤون وإدارة الدولة، فعليها أن تذوب في الحزب وتصبح نواته الحاسمة أو الأقلية الحاسمة كما تقول أدبيات الحزب الشيوعي الصيني وهو أكبر حزب عقائدي في العالم المعاصر، فإذا ذابت في الحزب وصارت نواته ومركز وبؤرة نشاطه، لكان الوضع أفضل أن تنتقل مناهجها وضوابطها وأفكارها إلى كيان أوسع تتوسع به شعبياً وتنفتح أكثر نحو المجتمع، وتتخلص من الازدواجية في النظر والمقايسة، وتتخلص كذلك من شبهة العلمانية الراهنة، إن ما للقصر والسياسة هو شأن المؤتمر الوطني، وما لله وتربية المجتمع هو شأن الحركة!!