الثلاثاء، 21 تشرين2/نوفمبر 2017

board

الصحف والأحزاب

> في حوار له مع (سودان تريبون)، دعا الدكتور غازي صلاح الدين رئيس حركة الإصلاح الآن، الى تجميع الأحزاب ودمجها وتقليل عددها من أجل رشد الحركة السياسية وإصلاحها وتقويتها وزيادة فاعلية الأحزاب وخبرتها التنظيمية وأهلية قيادتها لإدارة البلاد وازدهارها والتعاون بينها.

هي دعوة محمودة ولا غبار عليها، لكنها تشبه الى حد بعيد الدعوات التي أطلقت من قبل من الرئيس ونائبه الأول رئيس مجلس الوزراء القومي، لدمج الصحف وزيادة كفاءة مؤسسات العمل الصحافي ورفع قدراتها وأهليتها لتحمل كلفة صناعة الصحافة الباهظة.. وأردف غازي في حديثه لإشارة مهمة بأنه كتب تصوراً دفع به للحكومة والمعارضة للتدارس حوله .
> يوجد تشابه الى حد بعيد بين المجالين، كما يوجد تداخل بينهما وتعاضد ودور. فالصحافة لا تنفصل عن السياسة والشأن العام، ولا تملك السياسة فكاكاً عن الصحافة، وإذا كانت الأحزاب السياسية هي أدوات العمل السياسي وركيزة الديمقراطية، فإن الصحافة تعرف اليوم أنها أوكسجين الديمقراطية، فالتعددية الحزبية لا معنى لها، إن لم توجد صحافة فاعلة وقوية ومؤثرة، ولا وجود للحرية السياسية في غياب الحرية الصحافية .
> وفِي السودان، ظهرت الصحافة في مفتتح واستهلال القرن الماضي قبل عقود طويلة من معرفة السودانيين للأحزاب السياسية، فقد كان العمل الوطني تقوم به الصحافة قبل نشأة الأحزاب وقيامها، وولدت القيادات الحزبية من رحم الصحافة الولود، وتلازم الدورات بعد في مراحل العمل الوطني حتى اليوم، ولكن كلتيهما الصحافة من ناحية والسياسة والأطر الحزبية من ناحية أخرى، واجهها في الفترة الأخيرة تراجعاً مخيفاً في أدوارها، وربما عزوفاً مضطرباً عن مدارها، وفوضى عارمة في تكوينها وانتظام مكوناتها، فلدينا أكثر من مائة حزب وبضع وثلاثين حركة مسلحة تمتهن العمل السياسي وحملت السلاح لأغراض ومرامٍ سياسية، وتتوزع الأحزاب والحركات ما بين مولاة الحكومة ومعارضتها ومحاربتها، وتعاني جميع الأحزاب من ضعف واضح وجلي في بنيتها وقدراتها التنظيمية والمالية وانضباط عضويتها وقلة حيلتها وهوانها على الناس، كل ذلك في ظل تطورات سياسية وتحولات اجتماعية حادة زادت بها نسبة اللامنتمين سياسياً وهو وباء يعم كل العالم اليوم وليس حكراً على السودان وحده، فظاهرة العزوف السياسي وتطليق الأحزاب طلاقاً بائناً بينونة كبرى، هو سمة العصر الراهن وآيته ، وربما صيرورة تاريخية تنبه له المفكرون الفوضويون والقادة الشموليين من قبل ومنهم معمر القذافي الذي ظل محارباً للحزبية وجسَّد ذلك في نظريته العالمية الثالثة التي ضمنها في الكتاب الأخضر .
> اذا كانت الأحزاب تعاني من هذا الضمور والهزال والنفوق، فإن الصحافة تواجه التلاشي والتبخر تحت قبة وفضاء العالم الافتراضي والشبكة العنكبوتية والانفجار الهائل لعالم وعلم الاتصالات، ولم تعد الصحف عندنا هنا قادرة على التنفس والعيش وحدها، فهي كيانات صغيرة توالد بعض منها من بعضها في انشطارات أميبية مثل تشظيات الأحزاب السياسية، ولم تستطع هذه الدور والمؤسسات الصحافية أن تتطور، ولا هي قادرة على الإيفاء بالتزاماتها تجاه الصحافيين ومطلوبات العمل الصحافي، ولدينا بضع وأربعين صحيفة سياسية ورياضية واجتماعية واقتصادية وناطقة بالإنجليزية وصحف ولائية، لكنها كلها لا توزع ما كانت توزعه صحيفة واحدة او صحيفتين قبل سنوات، ولذلك وجدت الدعوة لدمج الصحف طوعاً، من يصيخ السمع إليها وينصت لدعاتها، ومبررات ذلك هي نفس المسوغات التي تحدث بها الدكتور غازي صلاح الدين في دعوته للإصلاح السياسي ودمج الأحزاب وتقويتها، ولتجدن لا فرق بين الإصلاح الحزبي والإصلاح الصحافي، نفس العلل والأمراض، تتقارب فيها الوصفات العلاجية، لكن تنعدم فيها الرغبة عند مُلاك الصحف ومُلاك الأحزاب فهي كلها صارت ملكيات خاصة يستغل فيها القانون، وتقل فيها الرؤية الاستشرافية الصائبة، لكن يبقى شيء واحد فقط، اذا نجحت دعوة غازي في لم شعث مائة وأربعين حزباً وحركة في بضعة أحزاب تعد على أصابع اليدين، فإن جمع ثمانية وأربعين صحيفة سيكون أمراً ميسوراً