الثلاثاء، 21 تشرين2/نوفمبر 2017

board

ربما حدث ذات يوم!!

(أ)
صديقنا الصحافي الأمريكي من أصل إفريقي (جون ييروود) رئيس مجلس إدارة المعهد الدولي للصحافة، قهقه بصوتٍ عالٍ كغولٍ ثمل في غاب ودغل أساطيري غامض، ملأ صوته بالاستغراب والتعجب وهو يغفر فاه يقول ...هاه..! حين سمع منا أن أحد أحياء مدينة نيالا في دارفور بغرب السودان اسمه (تكساس)،

وأن هذا الحي نشأ في أوائل السنوات الستين من القرن الماضي، وجاءت تسميته تزامناً مع اغتيال الرئيس الامريكي الأسبق جون كيندي في 22 نوفمبر 1963 بتكساس، بعد ألف يوم من توليه رئاسة الولايات المتحدة، وكان يومها أصغر رئيس في العالم، صديقنا ( يير وود) وقهقهته التي ردد صداها الفندق الفخيم ( ريتز كارلتون ) بالدوحة، ويقول وهو يستجمع بقية من نثار أصوله الإفريقيانية وما يجري في دمه من هزيم رعود ودقات طبول منسية في ردهات التاريخ ذهبت مع سفائن العبيد المختطفين من الساحل الغربي للقارة السمراء المفتوح على مدى واسع وفسيح على الاطلنطي وأهوال بحر الظلمات في رحلات عذاب الخمسين مليون إفريقي الذين اختطفهم تجار الرقيق من حضن أمهم إفريقيا وذهبوا بهم للأرض الجديدة، وكان يير وود يقول وهو يحكي البحر مندهشاً:
(كيف وصل صدى رصاصات لي هارفي أوزوالد قاتل كيندي اليكم بهذه السرعة لتطلقوا اسم تكساس على أحد الأحياء في مدينتكم الغائرة في قلب افريقيا السمراء ..؟ لقد عبر هذا الصدى آلاف الأميال من منطقة الديلي بلازا في دلاس بتكساس ليصلكم عجولاً خاطفاً..! ).
(ب)
ربما كانت المقاربة أن حي الوحدة حالياً وتكساس سابقاً في مدينة نيالا، كان يشبه الغرب والجنوب الأمريكي في ذلك الوقت، مع الفارق الكبير جداً في المبنى والمعنى، والفاصل الزمكاني العريض، لكن الشبه كان مرده إلى أن العنف والخمارات التي نشأت مع الحي في بداياته كما يشاع في بعض المرويات، والعقل والرأي المتأثر بما تبثه أجهزة الراديو في ذلك الوقت والصحافة وارتفاع اسم وذكر تكساس وارتباطها بحادثة اغتيال كيندي، هو الذي دفع المخيال الشعبي الدارفوري الى تقريب صورة الحي الجديد وما يدور فيه بالولاية الأمريكية وقد ذاع صيتها حانئذٍ، وهو نفس العقل الذي أطلق تسمية (كوريا) على حي جديد آخر أيام الحرب في شبه الجزيرة الكورية وهو مجاور لحي تكساس، أو (حي السد العالي) أيام بناء السد العالي في جنوب مصر، أو حي (الكنغو) إبان الحرب في الكونغو واغتيال رئيس الوزراء وأحد الآباء المؤسسين للعمل الافريقي ومنظمة الوحدة الافريقية (باتريس لوممامبا)، هذا غير أحياء نيالا القديمة الأخرى مثل (الخرطوم بالليل) أو حي (دريج) الناشئ أيام تعيين أحمد إبراهيم دريج حاكماً على اقليم دارفور سنة 1980م الذي سبقت تعيينه انتفاضة كبرى في مدن دارفور خرجنا فيها ونحن طلبة بمدرسة نيالا الأميرية المتوسطة في تظاهرات عارمة جابت شوارع المدينة، وكذا فعل أترابنا وأضرابنا في الفاشر والجنينة وكتم وكبكابية والضعين وزالنجي ومليط التي حياها صوب العارض الغادي كما قال العباسي في قصيدته الشهيرة ..
(ت)
ما جر الى هذا كله، أن تأثير وسائل الإعلام التقليدية على المتلقي كان كبيراً في السابق، وكانت توجد تفاعلات ضخمة مع ما تبثه وسائل الإعلام من إذاعة وصحف وقبل ظهور التلفزيون والصور المرئية المنقولة والمتحركة، وقبل أن تنفجر بيننا وأمامنا وفوقنا حالة الإعلام الجديد ( new media) فتحول العالم بسرعة الى فضاء لا متناهٍ من المعلومات المتدفقة حتى ظهر ما يسمى بــ (الذباب الالكتروني) والمغردون بلا ضوابط وأخلاق مهنية على مدار الثانية في شبكات التواصل الاجتماعي والمواقع الالكترونية ومخترقو الهواتف الجوالة والحواسيب والأجهزة اللوحية الرقمية، معها بدأ العالم في مسار ومدار جديد .. لا يعرف غير الله مداه ومنتهاه.
وتواجه مجتمعاتنا خطراً ماحقاً لا مناص منه، بتطور علم الاتصال وثورته التي عصفت بكل المسلمات والنظريات الإعلامية والاجتماعية القديمة، وانفتح مجال صار فيه بالإمكان انتقال كل شيء في لمح البصر، ومثل أية خاطرة تطرق الذهن لا حدود ولا قياس لسرعتها، فالعقل وتفكيره أسرع من أي شيء في هذا الكون، وصار الإعلام في سرعة الخاطرة التي تبرق وتسطع في الذهن وتنقدح كشرارة نورانية باسقة.
لا تستطيع مجتمعاتنا اليوم اللحاق ببعضها ولا اللهاث خلف هذا الجائح الجامح المجنون من تطورات مذهلة، فأين سنجد قيمة الوقت وبهاء الأفكار وطعم الحياة نحن الأجيال التي عاشت أزمنة الدهشة والتعجب والانتظارات وتتبع المعلومات ..؟ فقد كانت المعلومة تقف أياماً وشهوراً وسنوات نضرة ناضجة وطازجة، فصارت اليوم مجرد ثوانٍ قليلة يعقبها خبر جديد وانتقال سريع ومعلومة لا تجيد حرفة التوقف أو الانتظار!! (ث)
على ذكر اغتيال الرئيس الأمريكي جون فيتز جرالد كيندي، قرأتُ وسمعتُ ذات مرة أن الذي اغتال كيندي ليس هو المتهم الذي قتل بعد ذاك، وإنما هو شخص آخر أخفوا حقيقته وهويته في الصدور والأضابير العميقة الغور، فلا يوجد له أثر لمتتبع إلا في الوثائق التي أخفيت والمعلومات التي حجبت، وفي خفايا وأسرار الصراع الحقيقي بين أركان السلطة الأمريكية في ذلك الوقت والجهات التي أرادت ازاحة كيندي، وما سمعته وقرأته يقول إن القاتل من أصل إفريقي، وربما له جذور عرقية تمتد الى أرضنا أرض السودان، حسب ما زعمت بعض المصادر ومن تقول فينا الأقاويل!!
ويقال الآن أن هناك أكثر من خمسة ملايين وثيقة، وسيتم الإفراج الآن عن (3100) وثيقة فقط، كما قرر الرئيس الامريكي دونالد ترامب، وهي تمثل اقل بكثير من الـ 11% التي نشرت حتى اليوم من المخفى والمستور في ملف الاغتيال للرئيس الأمريكي الأسبق، ويجد الرئيس الحالي دونالد ترامب نفسه في مواجهة وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ( CIA) ومكتب التحقيقات الفيدارلي ( FBI) وبعض وكالات الأمن القومي حيال ما قرر ونوي نشرته، وتم إقناعه بعدم نشر كل المعلومات التي ستظل سرية وقيد الكتمان ربما إلى الأبد، حتى تخفي واحدة من أعقد جرائم الاغتيال السياسية في التاريخ الحديث.
ويمثل الاغتيال السياسي أحد أهم وأشد جوانب السياسة والحكم ظلاماً في التاريخ الإنساني منذ عرف الإنسان السياسة وفن الحكم، ويقال أن السياسة هي أقدم مهنة في التاريخ بعدها مهنة البغاء والدعارة، ويقول الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغن الذي هبط إلى عالم السياسة كبالون منفوخ بهواء النجومية السينمائية الساخن: (إن البغاء ثاني أقدم مهنة في التاريخ بعد الحكم، ولما جربت المهنة الاولى لم أجد فرقاً بينها وبين المهنة الثانية !!).
(ج)
كثيرة هي الكتب التي تناولت الاغتيالات السياسية وأسرارها عبر التاريخ، ففي كل عصر من العصور، وفي كل قصر من القصور، على مر الحقب والدهور، اغتيالات هزت العروش والجيوش، وعالم السياسة والحكم ودنيا الملوك والأباطرة والسلاطين والرؤساء والقادة والزعماء والسياسيين، على مر التاريخ السياسي، توجد قصص يشيب لها الولدان من ظواهر القتل والسحل والإزاحة والتغييب القسري للخصوم والأعداء.
ومن أكثر الكتب التي أثارت في نزاعات حقيقة للتفكير والرفض والبحث والتقصي ما كتبه المفكر العراقي الملحد هادي العلوي عن (الاغتيال السياسي في الإسلام) أهدانيه أحد المنسيين في دروب الحياة المثقف الكبير الأستاذ الصديق جعفر عبد الرحمن آخر مدير لمعهد الدراسات الاجتماعية بالخرطوم، وكتاب مستفز وظالم وغير منصف، سخر فيه كاتبه كل ملكاته العلمية وقدرته كبحاثة دؤوب، لإثبات أن السياسة لا تختلف في مضمونها الأصيل وغاياتها الكبيرة، فتحت صليل السيوف في التاريخ الإسلامي تمت اغتيالات سياسية لخصوم وأعداء بعضها مبرر كإهدار الدم في عهد الرسول الكريم (ص) لغلاة المشركين، وهو قد لا يعتبر اغتيالاً سياسياً بالمعنى والمفهوم الحالي وقد تختلف فيها التقديرات والتقويم، وبعض الاغتيالات حدث لثلاثة من الخلفاء الراشدين وللنسل النبوي نفسه، لكن امتلأ التاريخ الإسلامي من بعد ذلك بقصص من الاغتيالات السياسية تحتاج إلى تحليل وإعادة قراءة وإعمال نقد حقيقي ومثابر لما كتبه هادي العلوي الذي سخر قلمه للطعن في حقيقة أن الإسلام هدي سماوي رباني وليس كسباً بشرياً تجري عليه ما تجري من طباع البشر ونزواتهم ولحظات ضعفهم.