الأربعاء، 21 شباط/فبراير 2018

board

الرئيس والفقراء ..

>  في احتفال مهرجان التشغيل السادس بولاية الخرطوم أول من أمس بقاعة الصداقة، تحدث السيد رئيس الجمهورية في اللقاء الكبير، وتناول في كلمته نظم التمويل في المصارف السودانية وانحيازها للميسورين من رجال الأعمال ومن يتملكون النسبة الأكبر من الثروة في السودان،

وإنها -أي البنوك- تشيح بوجهها عن الفقراء وعامة الناس من البسطاء، وتبسط أموالها وتمويلاتها لرجال الأعمال. وعلل ذلك أن النظم المصرفية تقوم على النمط الغربي الرأسمالي، في إشارة الى أن المصارف الإسلامية منها عجزت عن سد هذه الفجوة وسارت على ذات المهج التنميطي الغربي .
>  ووجه الرئيس بنك السودان المركزي بمراجعة عمل البنوك في التمويل الأصغر وأخذ المبالغ التي لم تذهب الى الفئات المستهدفة الى محفظة تمويلية يستفيد منها صغار المنتجين والمواطنين من أهل العوز والحاجة الى هذا النوع من المعاملات، كما وجه الولاة في ولاياتهم بالبحث عن المتعففين من الفقراء الذين يغلقون عليهم أبواب بيوتهم ولا يسألون الناس إلحافاً ولا يحرقون إطارات السيارات، ملمحاً الى ظاهرة التظاهرات والاحتجاجات.. وركز البشير في حديثه على كيفية تنمية القطاعات الإنتجاية والحد من غلواء الفقر وضرورة الانحياز للفقراء، وأشاد ببعض البنوك مثل بنك الادخار وبنك الأسرة وبنك العمال التي تسهم في تغيير حياة الشرائح الضعيفة من محدودي الدخل .
> وقوبل حديث الرئيس بارتياح كبير من الحضور ومن الذين استمعوا إليه من أصحاب المصلحة، كونه وجه انتقاداً مباشراً للنظم التمويلية التي تحتاج الى اجتهاد جديد من البنوك وتوجيه السياسات الاقتصادية والنقدية لتعديلها وتبديلها حتى تتوافق مع حاجة المجتمع وقيمه. فكلما توسعت دائرة التمويل أفقياً كانت ذات جدوى أكثر من تصاعدها رأسياً، وهكذا أصبح المال دُولة بين الأغنياء فقط ..ولا يختلف اثنان أن النظام الاقتصادي والنقدي في بلادنا باختلالاته وعيوبه قد جعل الأثرياء أكثر ثراء والفقراء أشد فقراً .
>  ينبغي أن تشرع الدولة بقيادة الرئيس الى إصلاح حقيقي لهذا الوضع المعطوب، وهي ليست معركة سهلة أن يحدث انقلاب في مفاهيم الاقتصاد والنظم المصرفية، واستنباط وافتراع سياسات جديدة وأفكار أكثر التصاقاً بقضايا الفقر وإقالة عثرة المجتمع وانتشال الضعفاء من وهاد الفقر والمسغبة.
> لقد كانت فكرة البنوك الإسلامية وهي من نتاجات واجتهادات الحركة الإسلامية الحديثة محاولة الاقتراب من نموذج إسلامي لمعالجة قضايا التنمية والنهضة ومحاربة الفقر ونماء المال وفق ضوابط وهدى ينبع من قيم الدين السمحاء خاصة في تكافؤ الفرص والتكافل وحُسن ترشيد التعامل مع المال وتوجيهه وصرفه في ما يحقق مصالح المجتمع ومنفعته.
> ما قاله الرئيس يمثل خطوة مهمة في الاهتمام بقطاعات يقع عليها عبء الإنتاج في الأساس، خاصة أصحاب الدخل المنخفض والمحدود أو العمال وصغار المنتجين أو الخريجين والباحثين عن عمل أو فرص عمل أفضل، فالانحياز لهذه الفئات ودعمها سيقود تلقائياً الى انتعاش الاقتصاد وتوسع مظلته وتزيد من فرص المواطنين في تحسين معاشهم وتحقيق تطلعاتهم في الحياة وتطويرها.. لو وجهت البنوك عُشر ما تقدمه للأغنياء وأصحاب القدرات المالية ومن يملكون الضمانات في التمويلات الضخمة وكثير منها يشوبها الشك، وجهت هذا العُشر للفقراء لتغير الحال ولاستطاع المجتمع أن يخطو خطوات كبيرة في التخفيف من حدة الفقر .
> يستطيع الرئيس أن يقود ثورة كبيرة إذا واصل ومضى في هذا الاتجاه، وأن يتحول حديثه هذا إلى قرارات وسياسات ناجزة وناجعة، عليه بجمع الخبراء والمختصين في مجال العمل المصرفي وأصحاب التجارب المتعمقة في كيفية الإصلاح الاقتصادي، لتوليد حلول حقيقية لقضية الفقر حتى يختفي الاحتكار والتعاملات والمعاملات الحصرية في البنوك التي ظلت مقصورة فقط على أصحاب النفوذ المالي والعلاقات، فتغيير العقلية والمفهوم في مجال العمل المصرفي، وابتداع قيم جديدة ستعيد البسمة الى شفاه المحرومين وتبشر بقيام مجتمع معافى من أمراض الغِل والحسد وكل مترتبات الفقر والعوز..