الخميس، 24 أيار 2018

board

لماذا يفشل (خلاص) المعارضة ..؟!

> بمقارنة بسيطة جداً، كانت مظاهرات المعارضة أمس في مدينة بحري التي سميت ثورة الخلاص، هزيلة وخائرة وأضعف بكثير من سابقاتها التي خرجت قبل أقل من أسبوعين في الخرطوم وأم درمان .. وينبغي بعد هذا الواقع المحبط للمعارضة وقواها التي سعت واجتهدت في إقناع الشعب بالخروج وفشلت،

أن تفكر العقول السياسية للأحزاب الغضوبة بكل شجاعة وأمانة، في أسلوب آخر وابتكار طرق مختلفة، لمواجهة السلطة التي تنام الآن ملء جفونها عن شواردها .. وقد بشرتها تهديدات ووعيد معارضتنا السنية بطول سلامة.
> لنبحث إذن ... عن الأسباب الحقيقية وراء عزوف الناس وإشاحتهم بوجوههم عن فكرة الخروج في تظاهرات ظلت تدعو لها القوى السياسية المعارضة صباح مساء.. آناء الليل وأطراف النهار، ولعل في معرفة هذه الأسباب خدمة للمعارضة وتبصير لها بكيفية إدارة العمل السياسي المعارض وتنظيمه، والاهتداء للشعارات الحقيقية التي يمكن أن تحفز المواطنين للخروج وإخراج الغضب الساطع من الصدور، ولكم هو محزن رؤية بضعة عشرات من الشباب صغار السن، وقيادات ربما من الصف العشرين في الأحزاب المعارضة.. يجوبون بعض الأزقة بحثاً عن ميدان يصلح لقدح شرارة الثورة ولا يجدون، ولعلهم في حالة التيه والعمى السياسي، يخاطبون ويطلبون أملاً عصياً بعيد المنال لم يزل في رحم الغيب.. لعل ما يبين أن قوى المعارضة لم ولن تفلح في تجلية وجه هذا الأمل المرتقب لينبثق نجمة في السماء يقتدي بها الثوار الجدد وهم في طريق الخلاص العتيق المقدس، معفراً بالتراب الافتراضي في ساحات وميادين السليكون وبضجيج العابرين في فضاء الأسافير الخادعة.
> قبل الخوض في الأسباب، تلح علينا أسئلة عنيدة .. طويلة العنق واللسان!!
> لماذا كانت الثورات الشعبية في السودان خلال الفترات السابقة في ثورة أكتوبر 1964 وما تلاها في ثورة شعبان الطلابية 1973م وما تناسل منها، وفي انتفاضة ابريل 1985 وما سبقها، لماذا كانت تنجح وتنتصر بوسائل الدعاية والإعلام التقليدية وبفاعلية الاتصال الجماهيري المباشر، وتفشل ثورات المعارضة في العشرية الثانية من القرن الحادي والعشرين، وقد تعددت وسائل الاتصال الحديثة وتنوعت شبكات التواصل الاجتماعي وتسابقت نحوها ومن أجلها وسائل الإعلام والإعلام الجديد في الداخل والخارج، والجميع ينعق بنداء الثورة والخلاص من السلطة الحاكمة؟؟!
> لماذا لم تستطع الأحزاب السياسية المعارضة رغم كثرتها، والحركات المتمردة وجلبة غوغائها، والدعم السياسي والمالي والدعائي الخارجي الذي يجده الناشطون وكثافته وتعدد مصادره، لماذا رغم كل هذا لم تستطع تحقيق أي من الأهداف المعلنة لتصل روح النظام الحلقوم وتزلزل الأرض من تحت أقدامه..؟
> الأسباب تكمن في نقاط بسيطة سهلة الفهم والهضم..
> فقدت السياسة السودانية خلال الثلاثين سنة الماضية القوة الحية والفاعلة التي كانت تحركها، ومنذ وصول الإسلاميين إلى السلطة، لم تتوافر خبرات وتجارب فذة في قيادة الشارع ومعرفة فنون التظاهر ومواجهة الأنظمة الحاكمة، ولم تتمكن أحزاب المعارضة الحالية من بناء قوة دفع ذاتية وقيادات شعبية ذات خصائص تلهب حماس الجماهير وتجيد حرفة العمل السياسي المفتوح، وتستطيع التواصل مع الجماهير وتحسن التخطيط للعمل المعارض وتحريك الشارع ..
> لم تقدم الأحزاب القدوة السياسية، خاصة الطائفية السياسية ممثلة في حزب الأمة القومي الذي يخادع الجماهير، عندما يقدم أبناء السادة وبعض الأغنياء المترفين على أنهم أيقونات الثورة، فهم يصلحون جداً للثورات المخملية الشهباء، لكنهم لا يحملون في خلاياهم ودمائهم جينات الثورة الحقيقية مثل ثوار أكتوبر، أو لديهم ميزات أحمد عثمان المكي في شعبان أو في تكوينهم السياسي والنفسي تكمن ثقافة الثورة والشارع لدى القيادات الطلابية على طول الممر الوطني في تاريخنا السياسي القريب والبعيد، فالثورات يقودها من تلظوا بنار القهر والظلم والغضب المقدس، وليسوا حفنة القيادات السياسية المتخمة التي تحلم بالسلطة من فوق وسائد العيش الرغيد، وما من ثائر في تاريخ السودان إلا وخرج من صفوف الشعب والكادحين والمعدمين، وألهم بنضاله الجماهير الظامئة لزلازل الثورة والانتصار.
> ظلت الثورات في كل مراحلها وتاريخها، تصنع بالدماء والعرق والعطاء المستمر، فالثورات في تكوينها ونموها وحركتها وتطورها تفرز وتلد قياداتها وخطباءها ومفجري نارها العظيمة، وتصنع عندما تشتعل المنابر الخطابية في الجامعات، ويقبل الناس على سماع الصوت الثائر من كل فج عميق، وعندما تعلم الجماهير حجم التضحيات وتتجسد أمامها قيم الثورة ومستقبل الهبة الشعبية وأهدافها ومراميها، يدركون أن مصائرها كائنة ومدركة ولو طال السفر. لكن كيف يمكن ولادة ثورة من العالم الافتراضي المجنون المترع بالخيالات المجنحة والمريضة، فالشعب لم ير حتى الآن مناضلاً صميماً مثابراً مخلصاً في وسط الشارع، فهو يرى مناضلين (مفترضين) يثرثرون الساعات الطوال يطلون عليه باهتين.. باردين .. هائمين .. متوهمين .. عبر شاشات الهواتف الذكية، لا يعرف أحد أين هم؟ ولا كيف سيراهم الناس مخضبين بدماء الجراح النازفة من عصي شرطة مكافحة الشغب أو حتى بالرصاص، كيف يمكن أن يخرج الشعب فقط من أجل صياح وصراخ مناضل (هتيفة) يطل عليه عبر شبكات التواصل الاجتماعي بملابس النوم أو بالياقات البيضاء وهو في أصقاع بعيدة وأرصفة جامدة يدعوه للثورة وينادي عليه للخلاص؟؟!!