الإثنين، 19 شباط/فبراير 2018

board

خروج وعودة ..

> من غرائب الصدف، أو من دراماتيكية السياسة، أن الفريق أول صلاح قوش المدير العام لجهاز الأمن والمخابرات العائد الى موقعه السابق، قد أدى القسم أمام رئيس الجمهورية ظهر أمس ببيت الضيافة، في نفس المكان الذي كان قد أبلغ فيه خبر إعفائه في العام 2009م ..

!! كأن الزمن توقف عند لحظة الخروج برهة ثم يعلن التأهب للدخول من نفس النقطة في مسار دائري وفق مقياس هندسي دقيق هو العودة الى نفس نقطة التحرك ..
> قبل أن نهنئ الفريق صلاح بعودته الى قيادة جهاز الأمن والمخابرات، لابد أن نشير الى الكفاءة العالية والمهنية الرفيعة التي أدار بها سلفه الفريق أول محمد عطا الجهاز لأكثر من ثماني سنوات اجتهد فيها وأحسن الاجتهاد، وثابر أفضل المثابرة وقدم ما عنده من جهد وطني مخلص من أجل أن تنعم بلادنا بالأمن والاستقرار والسلام، وَقّاد فيها المؤسسة الأمنية في ظروف صعبة ودقيقة وحقق إنجازات كبيرة هي محل رضا وإشادة من الجميع ..
> نعود للفريق أول صلاح، فعودته المفاجئة التي عقدت الكثير من الألسن لحظة سماع الخبر، تكفي وحدها للتدليل على أن غرائب العمل التنفيذي والسياسي ودراميته ظلت تلاحق الرجل باستمرار ، فهو خرج من الجهاز من قبل في العام 1996، عندما ضاقت عليه جبة العمل وهو ممتلئ بالنشاط والحماس والمغامرة وكان فتياً مملوءاً بقوة الشباب، واختار مؤسسة التصنيع الحربي ليعمل فيها وهي الأقرب لمجال تخصصه الأكاديمي، لكن ما أن هبت أعاصير وعواصف الانشقاق والمفاصلة بين أطراف المؤتمر الوطني ودق عطر منشم بين الإسلاميين، عاد قوش الى الجهاز مرة أخرى ليصبح الفاعل الأكثر أهمية في أخطر وأدق مرحلة من تاريخ الإنقاذ والسودان في عصره الحديث، وظل في قيادة الجهاز حتى خروجه المدوي منه في 2009م وهو في قمة توهجه المهني وتفوقه كمدير وقائد لأحد أهم أجهزة المخابرات في المنطقة بشهادة دول عظمى ..
> عندما خرج  بتلك الوقائع المعلومة وعين مستشاراً للأمن القومي برئاسة الجمهورية، مد أشرعته وفتحها على الآخر للإبحار في عالم السياسة والعمل الاستخباري الفسيح من منصة جديدة، لكن سرعان ما غادرها الى العمل السياسي والنيابي البرلماني، متعفراً هذه المرة بتراب الجماهير الكادحة والترابلة، وريثما يهدأ من طول الطريق وازدحام الأحداث والتجربة التي لم تنقطع، طاردته لعنة السياسة وصراعها غير النظيف، ومثله مثل كل من تصدى للعمل العام، ذهب للسجن حبيساً متهماً بانقلاب عسكري زعم أنه كان مشاركاً فيه، فخرج من تلك الحادثة كأنها لم تكن إلا سحابة صيف عابرة وبقي داخل كيانه الحزبي واختياراته الفكرية والسياسية التي نشأ عليها وقضى فيها شرخ الشباب وزمان الفتوة والرجال .. فاختاره حزبه مرشحاً عنه، برلمانياً عاملاً وناجحاً، وانخرط في مسار آخر،  لكن أحداً من الناس دعك عنه هو لم يتخيل عودته بالأمس، عندما دار الزمن دورته وكرر التاريخ نفسه ..
> السياق السياسي والأمني والظروف التي جعلت السيد رئيس الجمهورية يتخذ قراره بعودة الفريق أول صلاح قوش الى الجهاز، تبدو واضحة لا تحتاج الى تعليقات وتحليلات كثيرة ملخصها ومؤداها الأول والأخير، أن البلاد على أعتاب مرحلة سياسية جديدة، فهناك صفحات تطوى وأخرى تنشر  مع رهانات على مستقبل وتحولات ليست سهلة على أي حال، فالداخل السوداني يتغير بسرعة مذهلة والعالم والإقليم من حولنا يشهد تحولات ضخمة لها انعكاسات مباشرة على أوضاعنا الضاغطة وهذه تحتاج الى روح مختلفة ورؤية في كيفية التعامل معها ولاعبين  يعرفون قواعد اللعبة وحدودها .
> تنتظر الفريق أول صلاح قضايا معقدة وتحديات وصعوبات تقابلها آفاق عالية مفتوحة على كل احتمال، هي التي تحدد مدى نجاحه في مهمته أو إخفاقه فيها، وهي تبدأ من نقطة الخروج والعودة التي كان فيها بالأمس ..مهمته ليست سهلة فهو ليس في نزهة هو أمام اختبار حقيقي، كل شيء تبدل، كل ما كان مسلماً به صار محل ارتياب، وكل خروج وعودة لم يعد مناسباً لها كل باب ..!