الجمعة، 20 نيسان/أبريل 2018

board

تغيير الحكومة.. نشاط محير لنائب الرئيس.. وخارج صندوق قوش

استطاعت قيادة البلاد العبور فوق أكبر أزمة اقتصادية عاصفة مرت بالبلاد، خلال الأيام الفائتة بتدابير متنوعة وأداء سياسي وتنفيذي رفيع، غيرت فيها اتجاهات الرأي العام بالقرارات التي تم اتخاذها سواء كانت في ضبط سعر الصرف للجنيه مقابل العملات الأجنبية،

أو تغيير في قمة جهاز الأمن والمخابرات الوطني، وتعد كل هذه الإجراءات من الناحية السياسية ذات مردود فعال، وتم اصطياد عدد من العصافير بحجر واحد، لكن ما تناقله الناس عن بقية قرارات قادمة ربما يكون مستبعداً إذا سارت الأمور إلى الأحسن رويداً نحو الانفراج، وربما يكون أكبر نجاح سياسي للحكومة أن التظاهرات التي دعت لها قوى المعارضة كانت كأن لم تكن، فأظهرت ضعف الأحزاب المعارضة وبؤس مكانتها عند الشعب وقلة ثقته فيها، وكسبت الحكومة الرهان فلم تخسر شعبها رغم الضائقة الاقتصادية والمعيشية الصعبة، وكذلك ربحت نفسها بالترتيبات التي أقرتها لمحاصرة ارتفاع سعر العملات الأجنبية وضبط الأسواق وضرب المضاربين بالعملات والمهربين وحسم الفوضى وكشف تزييف العملات السودانية والتعامل معه بجدية وسد منافذه.
لذلك لا تبدو الأحاديث والتكهنات حول تغييرات شاملة في الحكومة وبعض أجهزة الدولة واردة، الحكومة لأسباب معلومة لمرحلة ما بعد الحوار الوطني ودخول عناصر جديدة كانت تنقصها تنسيقات ومتابعات أكثر اقتراباً من مواطن الخلل، فبتوفر إرادة سياسية أقوى تستطيع الحكومة بإجراءات جزئية طفيفة معالجة الأوضاع وتسوية الطريق نحو الأهداف.
لم يحن الأوان بعد، مع مضي ما يقارب العام من تشكيل الحكومة، لإجراء تعديلات رئيسية وكبيرة فيها، إلا إذا كانت هناك دواعٍ تضطر إلى ذلك، فتغيير الحكومات والوزراء في كثير من الأحيان ليس حلاً وإنما مؤشر اضطراب وتوتر، ولا أعتقد أن البلاد الآن في حاجة الى اظهار صورتها وهي ترتدي ثياب التوتر وتعيش اضطراباً ما في القرار السياسي وتمارس حرفة التجريب.
نائب الرئيس من أين لنا هذا النشاط؟
في الأسابيع الثلاثة الماضية، احترنا مع السيد نائب رئيس الجمهورية، من هذا النشاط الجبار، فهو زار ولايتي شرق دارفور بكل محلياتها وجنوب دارفور ومكث هناك ثمانية أو تسعة أيام متواصل ليلها بنهارها، وعمل على حل مشكلات كبيرة ومعقدة في مختلف الأصعدة في الأمن وجمع السلاح وحل النزاعات الأهلية والتنمية والخدمات، ووقف على أحوال مواطنين في مناطق لم يزرها أي مسؤول رفيع من قبل، ثم عاد ليقضي يومين أو ثلاثة أيام، حتى حل ضيفاً على ولاية غرب كردفان، وهي من أكثر الولايات التي يزورها النائب، لعظم المشكلات التي كانت تحتاج إلى تدخل رئاسي، ومنها صراع دامٍ استمر ربع قرن بين بطنين من بطون قبيلة المسيرية الحمر هما (الزيود وأولاد عمران)، وقد أعيا هذا الصراع المداويا منذ انفجاره في عام 1993م، ولم ينتهِ هذا النزاع القبلي بين أبناء العمومة منذ تلك الفترة، حيث كان هناك مؤتمر عقد في عام 1993م حضره الشهيد الزبير محمد صالح يومئذٍ، وحصد هذا المشكل الأهلي المعقد مئات الأرواح من الطرفين، وعطل الكثير من المشروعات الخدمية وضيع مصالح الأهالي، وخيمت الفرقة بين أبناء الأسرة الكبيرة الواحدة، وفقدت قيادات محلية كانت ذخراً للمنطقة، فإتمام الصلح الذي تم على يد نائب الرئيس الأستاذ حسبو بحضور قيادات سياسية وبرلمانية ومسؤولين تنفيذيين من الحكومة الاتحادية، أشاع روح العافية في جسد غرب كردفان التي ستشهد استقراراً وطمأنينة، خاصة أن مشروع جمع السلاح قد أثمر ثماراً طيبة، وتخلص المواطن من آليات الشر والقتل.. وتجول نائب الرئيس في أجزاء من الولاية في محلياتها المختلفة، وتم اتخاذ قرارات فورية في بعض القضايا التي تهم عامة الناس، فالزيارة حققت مكاسب جمة للمواطنين بانت في الحشود والتدافع الشعبي الجماهيري، وما استحسن فيها من أحاديث النائب وتعليقاته كما قال قادة الإدارة الأهلية.
بعد أيامه في غرب كردفان عاد النائب إلى الخرطوم ليقضي يوماً واحداً أو يومين ليطير هذه المرة إلى منطقة الصباغ في محلية البطانة لحضور ملتقى سهل البطانة الذي تشارك فيه ست ولايات هي القضارف وكسلا والجزيرة والخرطوم ونهر النيل وسنار، وناقش الملتقى مستقبل الأوضاع الأمنية والتنموية وسبل تحقيق مشروعات البنى التحتية كالطرق والمياه والكهرباء والاتصالات، وهو ملتقى تقرر أن يكون سنوياً لتنسيق العمل بين الولايات المعنية لصناعة نظام أمني مشترك، حتى لا تكون البطانة معبراً للتهريب والجريمة العابرة للحدود، والتنمية المستدامة بقيام الطرق والترع التي بها تزدهر المنطقة وتحل مشكلاتها التاريخية المعروفة في التعليم والمياه والخدمات الصحية والكهرباء.
ثم زار السيد نائب الرئيس سدي أعالي عطبرة وستيت، وتابع مشروع مياه القضارف والأوضاع الزراعية بالولاية، وعقد اجتماعات للولاة المشاركين في الملتقى، واستمع إلى قضايا الولايات المشاركة، وخاطب لقاءات جماهيرية خلال الأيام التي قضاها هناك، وكان مشروع جمع السلاح ومحاربة التهريب وضبط الحدود والتجارة البينية من أهم الشواغل بالنسبة له ووفده الكبير.
هذه الطاقة والهمة الكبيرة لدى نائب الرئيس تتعبنا نحن الصحافيين في متابعته من مكان إلى مكان بنشاط كبير وعزم لا يُبارى، وقد تعود رفقاؤه من الوزراء ووزراء الدولة وكبار المسؤولين على هذا النوع من العمل الميداني والنزول إلى الأرض مع المواطن .. فيا ويلنا نحن أصحاب مهنة ليس فيها إلا السهر ووجع الضهر!!
قوش.. وخارج الصندوق
ما قاله المدير العام لجاهز الأمن والمخابرات الوطني الفريق أول صلاح قوش، في احتفال التسليم والتسلم من سلفه الفريق أول محمد عطا، يكشف ملاح المرحلة المقبلة وكيفية التعامل معها سياسياً وأمنياً، فهو قد تحدث في الاحتفال بوضوح: (إن قضايا البلاد تحتاج إلى تفكير خارج الصندوق)، ودعا لاجتهادات وإبداعات جديدة وإرساء دولة مؤسسات قادرة على خلق الإبداع في القضايا والمتابعة والإنجاز، وكون هذا الحديث صادر عن قيادة جهاز الأمن فإنه يعني أن الانفتاح على الأفكار الجديدة والاستماع إلى وجهات نظر من خارج المنظومة السياسية الحاكمة والشركاء في الوطن، أمر ضروري، إذا كان الهم الوطني واحداً ولا خلاف عليه، وربما يشجع مثل هذا النوع من التوجهات الآخرين الذين يقفون على الرصيف أو غير المنتمين سياسياً وفكرياً وحتى المنتمين والمخالفين في الرأي، على إبداء ملاحظاتهم والاشتراك في معالجة الأدواء الوطنية. ولا أعتقد أن (الصندوق) صار خالياً من الأفكار والإبداعات، لكن من الضروري للدولة أن تنوع مصادر المعرفة وتستزيد من منابع الآراء النيرة، فصندوق الإنقاذ مازال كما هو مثل (صندوق الدنيا) في قصص ألف ليلة وليلة فيه الكثير، فإذا أُضيف له المفيد من خارج الصندوق وفق مبادرات خلاقة وإطارات جديدة للتفكير الإيجابي من الجميع، سيكون الكاسب هو السودان.