الجمعة، 20 نيسان/أبريل 2018

board

دبلوماسية القطارات ..

> ربما أعاد الرئيس الكوري الشمالي (كيم جونغ اون)  في زيارته هذا الأسبوع الى العاصمة الصينية بكين ولقائه الرئيس الصيني ( شي جين بينغ ) ثم عودته الى بيونغ يانغ مبتجهاً ظفوراً،

في أول زيارة خارجية له منذ تنسمه السلطة 2011م  خلفاً و(وريثاً أعظم ) لأبيه الرئيس الكوري الشمالي السابق ( كيم يونغ إل ) ، ربما أعاد هذا الرئيس الشاب المولود في العام 1984م،  بقصد او لم يقصد  للقطارات الرئاسية أو القطارات عموماً بعضاً من بريقها القديم الذي كادت الطائرات منذ اكتشافها وتحليقها، أن تلغيه وتكشطه في تنقلات القادة والزعماء حول العالم، ففي الوقت الذي وقف فيه العالم منتبهاً الأحد الماضي لقطار مضاد للرصاص أخضر اللون عليه شريط أصفر ونوافذ زجاجية مطلية لا تسمح بالرؤية وهو يعبر جسر الصداقة عند مدينة ( داندونغ ) شمال شرقي الصين عند الحدود بين البلدين، ومياه نهر ( يالو ) الضحلة ذات الوحل تردد صدى مرور عجلات القطار البطيء على السكة الحديد للجسر الحديدي القديم .. ففي ذلك الوقت كانت الذاكرة تعود إلى عهود كانت فيها القطارات ولهى تتبختر تجوب العالم، تحمل الرؤساء والقادة العظام وتبني علاقات الشعوب والدول .
> معلوم أن رؤساء كوريا الشمالية منذ الجد المؤسس الزعيم ( كيم إل سونغ ) حتى الحفيد الذي يزن 130 كيلوغراماً، لم يكونوا يستخدمون سوى القطارات في تنقلاتهم الداخلية أو الخارجية في جوارهم القريب والبعيد في وجود الطائرات النفاثة، فالرئيس السابق والد الرئيس الحالي كانت له رحلة طويلة قادته الى روسيا عبر فيها آلاف الكيلومترات، على ذات الخط الحديدي الذي درسناه سابقاً في مادة الجغرافيا في الصف السادس الابتدائي (Trans- Siberian  Rialway ) الذي ينطلق من موسكو غرباً عبر سيبريا حتى بحر اليابان شرقاً، قاطعاً مسافة تزيد عن عشرة آلاف كيلومتر، تبدأ من  موسكو الى فلاديوفستك مروراً بسيبريا ومنغلوليا ومنشوريا و أجزاء واسعة من روسيا حتى بحر اليابان عند الميناء المعروف .
> ومن أشهر القطارات التي حملت القادة قطار لينين الشهير عند انتصار الثورة البلشفية وسفره  من زيوريخ بسويسرا حتى وصوله الى مدينة سانت بطرسبيرغ في العام1917 ، وهنا لابد للقارئ أن يسترجع ما كتبته المؤرخة الروسية ( كاثرين ميريدال ) في كتابها الشهير ( لينين على متن القطار  Lenin on the Train)    ومن أروع ما جاء في هذا الكتاب ما نقلته المؤرخة عن النهايات المأساوية وخاتمة المطاف لرفقاء لينين في القطار وما حاق بهم من غدر وقتل وتعذيب وسجون .
> ويجيء قطار الزعيم الهندي الكبير المهاتما موهانداس كرمشاند غاندي  فقد كان يستغل القطار في تحركاته منذ عهده في جنوب أفريقيا ثم نضاله الهندي في الهند وتُروى قصة (فردة) حذائه التي سقطت منه وهو يجري للحاق بأحد القطارات، فلما صعد القطار ألقى بـ(الفردة) الثانية وقال حتى لا يتعب الفقير الذي يجد فردة واحدة في البحث عن الأخرى .
> ومعروف عن الزعيم السوفيتي جوزيف ستالين، أنه كان يعاني من فوبيا السفر بالطائرات أو أية وسيلة أخرى، فكان يختار القطارات، وكرَّس الزعيم الليبي الراحل في سنوات حكمه وخاصة في العشر سنوات الأخيرة على بناء خط سكك حديدي من غرب ليبيا الى شرقها فقد كان يخاف أيضاً من سفر الطائرات ويخشى الأماكن العليا والمغلقة والطيران فوق مياه البحار والمحيطات.
> وفي أوروبا كانت القطارات هي وسيلة سفر القادة والزعماء قبل الحرب العالمية الأولى حتى فترة مشروع مارشال عقب الحرب الكونية الثانية .
> عندنا هنا في السودان كانت غالب تنقلات الرؤساء السابقين في فترة ما بعد الاستقلال بالقطارات تؤرخ عدسات المصورين لقطات نادرة للزعيم إسماعيل الأزهري وعبود وجعفر نميري في رحلات في مناطق مختلفة من السودان بالقطار، وسبق لنميري أن سافر الى غرب السودان بالقطار لأيام وليالي. ويوجد زعماء ورؤساء عرب وأفارقة كانوا يفضلون سفر القطارات والطائرات وهناك مرويات بعد حبات الرمل في هذا الجانب .
> المهم أن الرئيس الكوري الشمالي وهو يعيد الى القطار دوره وأسفاره وأهميته السياسية، حمل قطاره (الغامض ) المكون من إحدى وعشرين عربة توزعت فيه كل احتياجاته من مكاتب وغرف للموسيقى والترفيه وطاولات الطعام والمطابخ وقاعات الاجتماعات والحراسات والمرافقين والمغنين، حمل دلالات سياسية واضحة، أهمها أن الطريق نحو شبه جزيرة كورية خالية من السلاح النووي ممكن، لكن بنفس بطء سرعة قطاره المصفح الثقيل الوزن الذي يسير في هذا العصر الرقمي بسرعة 37 ميلاً في الساعة، وأيضاً يمكن للدبلوماسية الدولية قطع أشواطها على طريقة القطار الفخيم بشرط ألا تحمله طويلاً وعلى مشقة، للقاء المرتقب مع الرئيس الكوري الجنوبي، ولقاء آخر تاريخي مع الرئيس الأمريكي ترامب الذي وصف كيم جونغ أون بالقائد العظيم  والذكي  وقد سبق وأن قال عنه « إن كان يعتقد أن على طاولته زر نووي فلدي أيضاً زر نووي في البيت الأبيض أكبر وأقوى « ..!!