الإثنين، 29 أيار 2017

board

 السودان والنظامية  « ORDERISM »

> تم تكريس مفاهيم سياسية جديدة في العالم ، تواكب التحولات والتطورات الجارية فيه ، وليس السودان ببعيد في واقعه السياسي ونمط الحكم عن المصطلح الجديد الذي بات يُطلق مقابلاً لليبرالية الغربية ، ومتجاوزاً ما يسمى بالحكم الشمولي أو الديكتاتورية، ويمكن تصنيف كثير من الأنظمة والحكومات بأنها تتبع الأيدولوجية السياسية الجديدة التي تُعرف بـ(النظامية)

أو (Orderism)  التي تطبق وتعتمد اليوم في كل من روسيا وتركيا وبلدان أخرى في العالم كبديل عن الديمقراطية الغربية ، تختلف معها في الوسائل وتلتقي في بعض الأهداف وتعارضها في الاتجاه أحياناً .
> وتقوم «النظامية « وهي مصطلح بلا مفكرين او مراجع محددة، على اعتماد مناهج في الحكم تعطي الأسبقية والأولوية لتحقيق الاستقرار على تحقيق الديمقراطية وتدعو للقيم المحافظة التي تقوم على الدين في مقابل الفوضى الاجتماعية والسياسية واللاقيم التي أرهقت المجتمعات الغربية وأوهنت قواها ، وتعمل على إحياء الأمجاد التاريخية وتغذية الوجدان الوطني بها في مواجهة الثقافة الجديدة وتنميط العالم وفق مطلوبات العولمة واقتصاد السوق والسلوك الجديد للمجتمعات التي وقعت في مصيدة الثقافة الغربية .
> وبما أن هذا الأيدولوجية السياسية تتقارب نوعاً ما مع سمات الأنظمة المتحكمة، وليس لديها منظرين فإنها كما تقول بعض الكتابات الشحيحة عنها في الأوساط السياسية الدولية تعتمد في تعريفاتها على الممارسات الفعلية الواقعية التي أنتجتها واستلت من بين فرثها ودمها ، وينظر الى التجربتين الروسية في عهد الرئيس بوتين والتركية ، أنموذجين متخمين بهذا المفهوم الناهض في عالم السياسة ، فالتحديات الأمنية والعسكرية والحروبات والاضطرابات وفق «النظامية» لا توفر على الإطلاق مناخاً لترسيخ وبناء الديمقراطية الليبرالية على النمط الغربي. ويرى الباحث والخبير الإستراتيجي التركي (سرحات شوبوا وغلو) في نظرته للتجربيتين الروسية والتركية (ليست التوجهات قائمة على اعتبارات عملية فقط ، بل هناك اتجاه نظري يرى ضرورة توفر شروط معينة قبل تطبيق الديمقراطية).
> ويزيد باحثون غربيون يدرسون حالة هذه التطبيقات للأيدولوجية الجديدة ( تطبيق الديمقراطية في دول لا تتوفر فيها الظروف المناسبة سيؤدي الى عواقب وخيمة مثل الحروب الأهلية وصعود القوى المتطرفة او انتخاب قادة لا يتمتعون بكفاءة عالية فلابد من توفر شروط مسبقة قبل التحول الى الديمقراطية) .
> مقابل ذلك فإن هذه الدول التي تمارس «النظامية « استطاعت المزاوجة بينها والتوجهات الليبرالية ، فهي تعتمد وسائل الديمقراطية الغربية نفسها في الوصول للحكم عن طريق الانتخابات والتنافس عبر الصناديق وحرية منضبطة في العمل السياسي ، لكنها تمارس ممارسات لا تعد وفق التعريف الغربي بأنها ديمقراطية مثل هيمنة السلطة التنفيذية على السلطات الأخرى التشريعية والقضائية والسلطة الرابعة التي تمثلها هنا حرية الصحافة .
>  وتؤمن الدول التي تتبنى هذه النظامية في الحكم أن يكون لها دور محوري إقليمي ومركزي للحافظ على مصالحها، وهي تجابه تحدياتها الأمنية والعسكرية والمهددات الخارجية ، وتتخذ بناء على ذلك مجموعة من التدابير تظهر على إنها غير ديمقراطية من أجل الحفاظ على الأمن والاستقرار ، وفي ذات الوقت تسعى للاستفادة من القيم الدينية لوضع إطار ثقافي وعقدي للعقيدة السياسية الجديدة للحفاظ على المجتمع كما يقول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حين تقارب مع الكنيسة الأرثوذكسية في بلاده عندما قال « إن الأفراد سيفقدون الكرامة الإنسانية من دون القيم المسيحية والأديان الأخرى، ومن الطبيعي الدفاع عن هذه القيم « وبناء على ذلك أصدر الرئيس الروسي قانوناً يحظر في روسيا تماماً الترويج للمثليين جنسياً متوافقاً في ذلك مع الكنسية ومتعارضاً كلياً مع القيم الثقافية للمجتمعات الغربية.
> إذا كانت «النظامية» تتخذ وسائل الديمقراطية وإطاراتها الشكلية بالمحافظ على قدر ما من الحرية السياسية وحرية التنظيم وطرح الوسائل الديمقراطية كطريق للوصول للسلطة ، مقابل هيمنة كاملة على إيقاع الدولة و مركزة السلطة ومنع الفوضى من أجل الاستقرار والأمن ، وتحيي في المجتمع قيم الدين والتدين وتحاول إعمار الوجدان الوطني بأمجاده التاريخية كما هو الحال في تركيا الآن ، وتسعى إلى تعبيد وتمهيد الطريق بسهولة وسلاسة لاستدامة نظام سياسي وحكم جديد، فإن الواقع في السودان يتجه في تناص مهيب مع هذا المنهج الجديد الذي أثبت نجاحه أمام الديمقراطية الغربية وأثبت فاعليته في داخل البلدان التي برز فيها وبان .
> هذه مجرد أفكار ومقاربات عامة ، ربما ينتج العقل السياسي السوداني مستوى من مستويات النظامية يناسب واقعنا وظروفنا ويلائم حاجتنا..!