الخميس، 24 آب/أغسطس 2017

board

في سدي أعالي نهر عطبرة .. الفرص المتاحة لتحقيق النهضة

> ثمة ملاحظتان جديرتان بالاهتمام ، في الاحتفال الكبير أمس بمناسبة افتتاح العمل وتدشينه في محطة كهرباء سدي أعالي نهر عطبرة وستيت بولايتي القضارف وكسلا بعد الانتهاء من تشييد السدين ، فكل النقاط والملاحظات الأخرى و الحديث عن هذا الصرح التنموي والنهضوي الضخم أشياء معلومة ومعروفة من ناحية العوائد الاقتصادية الكبرى، وموقع المشروع نفسه من خارطة النهضة السودانية الشاملة

وتوفر الطاقة التي يحتاجها السودان في هذا الظرف المفصلي و انعطافاته بمؤشراته الإيجابية، وهو يتخلص من العقوبات الأحادية الأمريكية التي كانت مفروضة عليه وتكبل قدميه وتمنعه الخطو الى الأمام . > أولى هاتان الملاحظتان ، لا ترتبط بالمشروع نفسه فهو يعبر عن ذاته وواقعه وأهميته وطاقته الإنتاجية التي تصل الى (320) ميغا واط من التوربينات الأربع ، لكنها كملاحظة أولى تتمحور في الخبرة السودانية التي تراكمت لدى الخبراء والمهندسين والفنيين السودانيين خلال العشرين سنة الماضية في مجال تشييد السدود والخزانات والتعامل مع قضايا المياه وتوليد الكهرباء من المصادر المائية المتاحة ، هذه الخبرة التي توفرت لدى الشباب السوداني نكاد نجزم أنها غير متوفرة على الإطلاق في منطقتنا العربية التي لم تشهد خلال الأربعين أو الخمسين سنة الماضية مشروعات في مجال السدود والخزانات مثل الثلاثة مشروعات التي أقيمت في السودان (سد مروي، تعلية خزان الرصيرص ، سدي أعالي عطبرة وستيت) الدراسات التي تجري لخزانات أخرى في ولايتي نهر النيل والشمالية ومشروعات حصاد المياه في كل ولايات السودان ، كما أن هذه الخبرة والتجربة والدربة والكفاءة العالية لا تتمتع بها إلا دول قليلة جداً في إفريقيا، ففي القارة السمراء توجد مشاريع عملاقة للطاقة نفذت عن طريق شركات عالمية كبرى ، لا نعتقد بواقع الحال الذي نعيشه ومتابعاتنا بما يجري في دول حوض النيل ودول حوض نهر الكونغو ، توافر خبرة مثل الخبرة السودانية باستثناء الجارة إثيوبيا ودول أخرى .
> ففي هذه الملاحظة التي نراها مهمة للغاية، يكتسب مشروع النهضة الاقتصادية في السودان بعداً مختلفاً ، فحاجة السودان للتوسع وزيادة الإنتاج الزراعي والحيواني وتحول لقطر مهم في هذا المجال ويتطلب بناء السدود والخزانات لتوفير الري وتوفير الطاقة ، بجانب القطاع الصناعي وقطاع البني التحتية الذي تلعب فيه الطاقة الكهربائية دوراً محورياً في تقدمه وريادته ، والسودان أحوج ما يكون لتطوير قدراته الصناعية خاصة الصناعات التحويلية ، بالإضافة الى ترقية وتطوير التعدين وبقي القطاعات التنموية الأخرى .
> فبجانب أن السودان مرشح كسوق صاعد وناهض في المنطقة، لا جدال في أنه البلد الأكثر تأهيلاً في فرص الاستثمار وتوجد مؤشرات تشير الى أن نموه الاقتصادي سيكون سريعاً يستطيع جواره العربي والإفريقي الاعتماد عليه في مجال المنتجات الزراعية والغذاء وغيرها للخصائص التي يتميز بها والقيمة الإضافية التي تضيفها مشروعات الطاقة.
> ومن هنا فإن هذه الخبرة السودانية التي تكونت خلال السنوات الماضية وهي تنقسم الى قسمين ، الخبرة الفنية للمهندسين والفنيين والخبراء ، والخبرة الإدارية والتخطيطية والتنفيذية لمثل هذه المشروعات الضخمة ، ويلحظ المتابع والمراقب لهذا لمجال الحيوي المهم فاعلية الدور والرأي السوداني في قضايا مياه النيل والخلافات بين دول الحوض فتجد أن كفاءة الخبراء السودانيين والمامهم الدقيق بتفاصيل هذه القضايا وتعقيداتها تفوق بكثير رصفائهم ونظرائهم في بلدان مهمة في دول الحوض .
> أما الملاحظة الثانية ، فهي تختص بما يتراءى من تجليات في الاحتفال أمس في منطقة سدي أعالي نهر عطبرة وستيت ، حيث تلتقي حدود ولايتي القضارف وكسلا ويقع المشروع في الولايتين ، فبغض النظر عن نوع الاحتفال وحجمه ومستوى التمثيل الكبير فيه للصناديق العربية والأشقاء الذين موَّلوا هذا المشروع والبشارات الأخرى بمواصلة العمل في المشروعات الأخرى ، فإن شيئاً لم يلحظه الكثيرون في إنسان المنطقة ..!
أحدث هذا المشروع التنموي الكبير أثراً لا تخطئه عين ، وحدثت إثر قيامه تحولات اجتماعية لا يمكن التغافل عنها أو التغاضي عن ملامحها الواضحة ، وهي التحولات المطلوبة في كل مشروع تنموي كبير وضخم ، فقد تلاحظ كما قيل في جلسة مجلس الوزراء في موقع السد أمس ، إن المجتمع المحلي طرأت عليه تحولات وتغيير في سياقاته الاجتماعية والاقتصادية تبشر بمستقبل جيد للمنطقة برمتها ، فقد تمدن الريف بسرعة مذهلة بقيام المدن الجديدة وهي تجميع للقرى التي وقعت في نطاق بحيرة السدين في محليتي الفشقة والقريشة بولاية القضارف ومحلية ود الحليو بولاية كسلا، فهذه القرى التي تم تجميعها ونقلها بعد أن شيدت مدناً سكنية كاملة فيها آلاف المساكن وأعداد كبيرة من المرافق الخدمية وعشرات المدارس والمستشفيات والمراكز الصحية والمساجد والأندية الرياضية والملاعب الحديثة ، وتمتع المواطنين في هذه المدن والقرى التي لم تتحول في المحليات المذكورة بخدمات الكهرباء والماء النظيف ، أصبحت هذه المدن منارات جديدة للتنمية الاجتماعية بفضل توفر التعليم والخدمات والملامح المدنية التي ظهرت فيها ، فإنسان هذه المنطقة سيودع الفقر قريباً بقيام المشروعات الزراعية والإنتاجية وربما الصناعية وهو قريب من الأسواق في مدن ضخمة كالقضارف وكسلا وحلفا الجديدة وبورتسودان وقريب من موانئ التصدير ومناطق الاستهلاك في ولايات أخرى بالبلاد، كما أن قيام المشروعات سيخلق تواصلاً اجتماعياً و اختلاطاً بين المجموعات السكانية وينهي الكثير من الأوضاع السابقة التي كانت قائمة في المنطقة بالإضافة الى الاعتداء على إقليم الفشقة .
مع هاتين الملاحظتين ، فإن ما جرى في جلسة مجلس الوزراء في موقع العمل وانتقال المجلس كله الى هناك ومناقشة قضايا الطاقة وتوصيات القطاع الاقتصادي، تشير إشارات واضحة أن عهداً جديداً من البناء والتطور الاقتصادي قد بدأ في السودان ، وكما ألمح السيد الرئيس فإن ظروف السودان الآن تتجه نحو الانفراج الكامل ، خاصة بعد التسوية مع الصناديق العربية ومواصلة التعامل وتدفق التمويل من دول شقيقة وصديقة وفي مقدمتها الصين ..