الخميس، 25 أيار 2017

board

الكاسب الأكبر!!

> يبدو أن هناك تغيراً في التعاطي مع القضايا الإقليمية للمنطقة العربية من قبل الإدارة الأمريكية الجديدة التي تحاول استعادة ثقة حلفاء الولايات المتحدة التاريخيين في الخليج ودولة الكيان الصهيوني في ما يتعلق بالموقف من إيران وتدخلاتها في شؤون المنطقة التي أفرزت واقعاً جديداً لا يمكن العبور فوقه بسهولة.

> تصاعد لغة التهديد وإعلان إدارة الرئيس ترامب فرض عقوبات على إيران شملت أشخاصاً ومؤسسات وتحرك بوارج أمريكية إلى الخليج، تعتبر رسالة واضحة بأن هناك ترتيبات جديدة ستدخل كل المنطقة في حسابات مختلفة، وقد أظهر دونالد ترامب منذ حملته الانتخابية رغبة محمومة تجاه الاتفاق النووي الإيراني، وأعلن مراراً نيته في إلغائه، وثار جدل عنيف في الولايات المتحدة طوال هذه الفترة منذ الحملة الانتخابية حتى دخوله البيت الأبيض، حول مدى قدرة ترامب على إنهاء هذا الاتفاق وإعادة إيران إلى مربع المواجهة الأول، بالرغم من أن هذا الملف الخطير ربما يعجل بعصف حالة الرضاء والتقارب الروسي مع الرئيس الأمريكي الجديد الذي وجد نفسه بعد تسنمه مقاليد الحكم وسط وحول جيوستراتيجية هائلة كانت تعتبر من المحرمات في السياسة الأمريكية، في مقدمتها تمدد النفوذ الروسي ووجود موسكو بالفعل في منطقة الشرق الأوسط وإدخالها أرجلها في عمق المياه الدافئة، وتفاعلاتها الملحوظة مع قضية الحوثيين في اليمن وعودتها لباب المندب عن طريق إيران والحوثيين، ومشاركتها المباشرة في الحرب السورية وتقاربها مع الجنرال الليبي خليفة حفتر، مما يعني أن روسيا عادت بالفعل إلى المنطقة ليس كما كانت في زمن الاتحاد السوفيتي إنما جاءت بحاملات طائراتها وجنودها وأساطيلها، ومع نجاح حلفائها في بسط نفوذهم في بعض المناطق العربية الساخنة.
> هذه التحولات في الموقف الأمريكي، ربما تنسحب على مناطق أخرى مثل الوضع في الصومال ودولة جنوب السودان وليبيا وكلها تمثل تماساً وجواراً سودانياً لا بد أن تعي الخرطوم جيداً ماذا يعني؟
> صحيح أن واشنطون تطمئن حلفاءها التاريخيين في المنطقة بخطواتها في تصعيد التعامل واللهجة مع إيران، لكن ذلك ليس كافياً، فهناك أبواب مفتوحة مع حكومات وأنظمة أخرى مثل مصر التي تعاني من شبه جفوة حادة مع السعودية بسبب موقف القاهرة من الوضع السوري وعدم مشاركتها في عاصفة الحزم، ثم الأهم من ذلك تنامي العلاقات المصرية الإيرانية واستفادة طهران من هذه الميزة في موقفها من دول الخليج، وتكاد طهران تشيع أن التحالفات الإقليمية لها تمتد من عندها إلى العراق وسوريا إلى مصر مروراً بوجود حزب الله القوي في لبنان وسيطرة الحوثيين مع حليفهم علي عبد الله صالح على اليمن وعاصمته وأجزاء منه.
> تفرض كل هذه المعطيات والحقائق علينا هنا في السودان ألا نكون على الهامش، إذا كنا في عمق الحرب على الإرهاب وفي التحالف الإسلامي بقيادة المملكة العربية السعودية لمحاربته، وفي عمق عاصفة الصحراء، ونملك رؤية استراتيجية متقدمة لكيفية حفظ أمن البحر الأحمر، كما أننا من دول جوار ليبيا ونسعى لحل إشكالاتها وإنهاء حروباتها، ونحن ركيزة الأساس في حل الصراع في جنوب السودان، ينبغي أن يكون موقفنا أفضل من كل دول المنطقة ونصبح الكاسب الأكبر من كل هذه التحولات الجارية، لماذا نقول ذلك؟ أظن أن قراءة الخرطوم كانت صحيحة منذ البداية للوضع في المنطقة كلها بعد الربيع العربي وارتداداته العكسية، ثم اختطاف الحوثيين لليمن السعيد وتنامي الحرب في سوريا وليبيا ومجمل التحولات في المنطقة، وهذا وفر للسودان وضعاً أفضل من الناحية الاستراتيجية وأعطاه فرصاً أكبر في الجوانب التكتيكية لو حدثت أية هزات أو مفاجآت مقبلة.
> ومن المهم في هذا السياق أن نفهم أن اتجاهات التغيير والتحول في السياسة الأمريكية في عهد ترامب هدفها استعادة وجلب ثقة الحلفاء التقليديين المرتبطين بالمصالح الحيوية الأمريكية في المنطقة، وقد كانت إدارة الديمقراطيين في عهد الرئيس السابق باراك أوباما تحاول تحاشي وتجنب الدخول بعمق في صراعات وأوضاع معقدة وتهديدات تمثلها أطراف دولية أخرى صنعت لها تحالفات أخرى، فقد تتغير خريطة التحالفات ويتغير الكثير من المواقف، لكن علينا أن نعرف كيف نفكر وكيف نربح دون أن نتزحزح كثيراً عن مواقفنا المبدئية، وذلك ممكن في عالم اليوم أن تكون مثل المروحة الواقفة ذات العمود تدور في اتجاهات متعددة لكن أصلها ثابت!!