الجمعة، 24 مارس 2017

board

مصر وحديث الرئيس

> لفترة طويلة لم يتناول السيد رئيس الجمهورية العلاقة بجمهورية مصر العربية كجارة للسودان، بهذا الوضوح والصراحة في حواره مع قناة (العربية) الفضائية الذي بثته أمس، واضعاً الصورة كما هي دون أية مجاملات أو مداراة، ومن فائدة هذا الحديث أنه ينبه الإخوة في شمال الوادي

إلى حقائق هذه العلاقة التاريخية وما أصابها من عطب وتخريب بسبب سوء تقدير فادح وأخطاء جمة تعاملت بها مصر الرسمية مع السودان خلال الفترات الماضية ومازالت، ودائماً تظن بعض الجهات في مصر أن السودان بصبره وتحمله وعدم رغبته في تطوير الخلافات التي يمكن أن تحل بهدوء وحوار، هو ضعف يجب استغلاله حتى النهاية، وتلك هي أزمة من أزمات التفكير النخبوي السياسي المصري تجاه جنوب الوادي.
> يستطيع رئيس الجمهورية بالطبع التفريق بين شخصية الرئيس المصري وصدق نواياه أو توجهاته وعلاقته المتميزة به كشخص، وبين سلوك الدولة المصرية وأجهزتها في تعاملها مع بلادنا التي لم ترد إلا الخير لشعب مصر على مر الحقب والأزمان، فلم يسجل تاريخ العلاقة ولا مرة واحدة أن السودان يكيد لمصر أو يسعى لإيذائها أو الاقتصاص منها بسبب ما تفعله هي تجاهه، بل ظلت الحقيقة الساطعة والراسخة أن السودان يفتدي مصر ويضغط على جراحه من أجلها في أحلك الظروف دون أن يطلب شيئاً لذلك، مقابل طعنات في الظهر تلقاها من الحكومات والنخب السياسية المصرية.
> إذا كانت قضية حلايب شاهداً على ذلك، فإن هذه القضية منذ الخلاف الأول حولها في نهاية عقد الخمسينيات من القرن الماضي، طوي ملفها ولم تجرؤ القاهرة على التحرك فيها، لكن نظام حسني مبارك مطلع التسعينيات عندما وجد الخرطوم منشغلة بقضية الجنوب والحرب المستعرة يومئذٍ وكانت عمليات صيف العبور في أوجها، تحرك الجيش المصري واحتل كامل مثلث حلايب، وظنت مصر الرسمية يومها أنها تستطيع أن تجعل السودان والسودانيين يذعنون للأمر الواقع ولا يحركون ساكناً، ولا يمكن أن يفتحوا جبهتي قتال في الجنوب وفي الشمال، وعندما تعاملت الخرطوم بحكمة وتريث وصبر وطالبت مصر بالخروج عن منطقة حلايب وسحب قواتها وقدمت خيار التفاوض واللجوء للوسائل السلمية، ظنت القاهرة أنها حققت مقصدها فلا يقوى السودان على أكثر من ذلك، وتمادت في الإرغام بما فرضه الواقع ومنطقه، وتلك كانت من أفدح أخطاء القاهرة تجاه السودان، إذ نزعت الغلالة الشفافة التي كانت تحجب الغضب في قلوب السودانيين، وأظهرت مصر أمامهم بمظهر الغادر المحتل للأرض، وظل السودان يتابع قضية حلايب العادلة في أناة وجلد مكتفياً بشكواه التي أودعها مجلس الأمن الدولي دون تصعيد يذكر، وأيضاً ظن الجانب المصري أن السودان لن يذهب أكثر من ذلك، سيجأر بالشكوى ويقدمها مكتوبة ويجددها كل فترة .. ويصمت!!
> ولم تكتفِ مصر الرسمية بذلك، فمنذ ذلك التاريخ تحتضن القاهرة كل فصائل المعارضة السودانية السياسية والمسلحة وتقدم لها الدعم وتحرضها على إشعال النار والقتال وحمل السلاح حتى ولو أُحرق السودان كله، ونسيت مصر الرسمية كل الحقائق الاستراتيجية البسيطة أن أمن مصر القومي مرتبط بأمن السودان واستقراره، وطوال عهد مبارك ظلت العلاقة متأرجحة دونما جدوى في إصلاحها، وكانت كل غايتها ووسيلتها هي التعايش حتى يقضي الله امراً كان مفعولاً.
> عندما سقط نظام مبارك تحت هدير الغضب للشعب المصري، ظننا أن العلاقة بين البلدين ستتحسن وتنطلق من منطلقات الإخاء والجوار والهم والمصير المشترك، لكن الرؤية الاستشرافية العميقة غابت عن العقل السياسي وموطن القرار في مصر، واستمر الحال على ما هو عليه، لا حلت قضية حلايب ولا جلست القاهرة مع الخرطوم للبحث عن كيفية تتم بها عملية إنهاء الاحتلال المصري في منطقة عزيزة من الجسد السوداني، ولا أقدمت مصر على إصلاح أخطائها التاريخية باحتضان المعارضة السودانية وفصائلها المسلحة التي لو حققت أي نجاح أو أسقطت السلطة القائمة في الخرطوم فإن بنادقها وسمومها ستتوجه مباشرة إلى مصر.
> الحال لم يتغير، مما جعل السيد رئيس الجمهورية يتحدث بهذه اللهجة والصراحة، أن يدق ناقوس الخطر، فهو ــ أي الرئيس ــ يفهم أن الأمور لن تسير هكذا ولا ينبغي لها بين جارين بينهما أكثر من رباط، فلو لم تتم تسوية هذه الخلافات وتتقدم مصر مباشرة نحو مصالحها الحقيقية التي هي مع السودان فلن تربح شيئاً من هذا العداء غير المبرر، ومن احتلال جزء من السودان سيعود حتماً إليه طال الزمن أم قصر.