الصادق الرزيقي

الصادق الرزيقي

«جندي فرنسا».. قصة من ليلة رمضانية

يحسو ظلمات المدينة، ويحول السدول لشرائح من نور شفيف، وكأن الأجفان لا تغفو ولا تصافح بعضها، في تلك اللحظة من ساعات الليل..  وأعين الناس لا تنام!!في صفاء الليلة الباهرة من النصف الأول من رمضان في ثمانينيات القرن الماضي بمدينة نيالا، والسماء صافية كقطيفة سوداء رصعت بالأنجم، تبدو جنازة القمر المحمول على نعشه تشيعه النجيمات الحزينة، كان على الأرض عندنا في تلك الساحة بدر آخر دون محاق، وقصة غريبة من قصص الليل!!قطار ليلي شق صفيره جلباب الظلام وهدوء المكان، لا أحد يحفل بقطارات الليل في رمضان بمدينة نيالا في هاتيك المجالي من عرصات السنوات الثمانين من القرن الماضي في مفتتحها الواهن الساعدين، عند منبسط رملي صغير، وهو مكان للسمر والسهر الرمضاني، وسمار الليالي يتجمعون، منهم من يلعب الورق على ضوء رتينة نظيفة لامعة، ومنهم من يحكي حكايات المساء الجميل، ومنهم من وسد رأسه ساعده المثني ونظر محدقاً في الفضاء العريض والنجيمات تتلامع مثل وميض الأحلام المترفة.«ب»كان يتهادى في الليل من بعيد، رجل ظنناه على الدوام مجنوناً ومخبولاً يتهادى متعجلاً في الطرقات، يسمى «جندي فرنسا» أو هكذا يسمونه في نيالا، يتراطن في مشيته السريعة في نهارات المدينة وحده بلغة غير مفهومة، يرتدي ملابس عسكرية مهترئة وخوذة عسكرية من حديد لا تفارق رأسه الضخم، يحمل نصلاً طويلاً أشبه بالسيف يكتب به حرف (z) باللغة اللاتينية.. لا أحد يعرف اسمه سوى أنه «جندي فرنسا» ربما لتحدثه بكلمات فرنسية يقولها في غضب عارم هائج.. كثور مخصي في حلبة صراع الثيران.رجل طويل القامة فارع الطول، تدلت شلوخ طويلة من أعلى صدغيه حتى فكيه، رسمت أخاديد غريبة وعميقة في وجهه، أرجله كساقي نعامة … نحيفتان ولا تناسبان جسده الرياضي المستقيم، يداه طويلتان كغوريلا من غابات كينيا والملاوي، يفرد يديه وساعديه ثانياً كوعيه في مشيته السريعة كجرادة «ساري الليل» أو «أم جركم»، دون أن يشعر من يراه بأنه يمشي مشية عسكرية متقنة هي من حفريات الطوابير العسكرية العتيقة لجيوش السافنا المنسية في العمق الإفريقي.شديد سواد البشرة، أنفه الضخم الأفطس يؤكد أنه قادم من مجاهيل وآكام القارة الإفريقية.. لا أحد يعرف من أين جاء؟ لكنه بلا شك من بقايا ونثارات الحرب العالمية الثانية أو من مرتادي الساحة الثورية الإفريقية جنوب الصحراء ضد المستعمر الفرنسي في تشاد وإفريقيا الوسطى والنيجر والكاميرون وبوركينا فاسو أو السنغال وغيرها من دول الفرانكفون في نسختها قبيل وبعد خروج الاستعمار.«ت»في تلك الليلة الرمضانية وقد مدت أوانٍ صغيرة بها بعض من «البليلة» ومشروب« أم جنقر» وبعض المشروبات والمأكولات الخفيفة، على كثيب الرمال الناعمة عند حينا الصغير شرقي نيالا، رأينا شبحاً يتهادى.. تحت ضوء القمر وهمس النجيمات الخجول، كان يقترب رويداً رويداً متحدراً من قضبان السكك الحديدية العالية في دورانها الطويل نحو المحطة الرئيسة في المدينة.اقترب الرجل من ساحة السمر الملأى برواد الليل، فإذا به جندي فرنسا الذي نعرفه لكنه بدون خوذة، بدا رأسه ضخماً، شعره مثل أم الشاعر عنترة بن شداد «الشعر منها مثل حب الفلفل» أخاديد وجهه ظاهرة تلمع على ضوء الرتينة، عيناه مرهقتان لامعتان براقتان، بها لمعان مفزع، وهو بدا في سمت غريب!!جلس بعيداً.. لعلمه أن الناس يتحاشونه وبعضهم يخاف منه والبعض الآخر يتعجب في حياته وشكله، أعطاه بعض الحاضرين قليلاً من التمر وبليلة قمح بسمن بلدي وبعض ماء، تناول ما قُدم له بحذر ظاهر، ثم هدأ روعه وروع الحاضرين..  كان بلا سيف ولا نصال، كفارس بلا جواد..  تعتفر الرمال على رماد!!«ث»صوته الذي يشبه الهدير أو خوار ثور هرم، جاء هذه المرة عميقاً من جوفه وأغوار صدره كصدى ينبع من مغارة مظلمة، ظل يتفرس في الوجوه بنظرات غريبة فيها من الريب أكثر ما يحتويها من تساؤل.حسين الذي كان شرطياً سابقاً، وهو من رواد المكان وأعمدته، سرت فيه روح عمله السابق كمتحرٍ ومحقق بارع، وبدأ يسأل جندي فرنسي القابع أمامنا كتمثال أو طوطم إفريقي مبجل، في ما يشبه الاستجواب عن أصله وفصله وأهله وسره الدفين!!صمت الرجل برهة وتلفت حوله مثل ثعبان حدثته نفسه بلدغة ماكرة، ثم تحدث بهدوء غامض بلكنته الغريبة المتعثرة، ذكرنا بالشاعر محمود درويش في قصيدته « الآن إذا تصحو .. تذكر»أمشي على هدى البصيرة، ربماأعطي الحكاية سيرة شخصية.. فالمفرداتتسوسني وأسوسها.. أنا شكلهاوهي التجلّي الحر.. لكن قيل ما سأقوليسبقني غدٌ ماضٍ.. أنا مَلِك الصدىلا عرش لي إلا الهوامش والطريقهو الطريقة..  ربما نسيَ الأوائل وصفيحكى قصة غريبة رواها لنا نقلاً عنه الشرطي القديم حسين الذي جلس قريباً منه يلتقط كلماته الشوارد في ريح المساء ولفح الكلام..  ربما بتصرف وتزويق وتشذيب وإضافات.قال «جندي فرنسا» في الرواية المنقولة عنه والمنسوبة له  إنه جرح في حرب الفرنسيين في بلده الإفريقي في الهزيع الأخير من السنوات الخمسين من القرن الماضي، خلال معركة طاحنة استبسل فيها أهله ومواطنوه ومجايلوه من الرجال الشجعان.. وكان هو في الطرف الآخر مع جيش الطغاة الغزاة.وهو مصاب نزف دماً كثيراً، وفقد وعيه، وظن رفاقه أنه مات أو ربما إنصاعوا لتعليمات الضباط الفرنسيين بالانسحاب والتحرك الفوري من أرض المعركة الخاسرة، وعندما أفاق بعد ساعات طويلة أو يوم على أصوات أناس رحل من أصحاب الأبقار، حملوه على ظهر ثور ضخم بعد أن ضمدوا جرحه وحشوا الجرح بمسحوق الشاي الأسود وأحكموا رباطه، وبعد مسير يومين في مرحال أصحاب الأبقار وجدوا طريقاً في اتجاه الشمال الشرقي نحو حدود السودان، وهناك صادفوا شاحنة تجارية من ماركات الخمسينيات قادمة من مدن بعيدة غائرة في اللحم الإفريقي القصي.. فأخذه تجار سودانيون على ظهر اللوري بخوذته وملابسه، وهي ملابس جندي مجروح ملطخة بالدم والتراب، ودخلوا به السودان عبر معابر غير مأهولة، واستقر به المقام حيناً في مدن السودان الحدودية والبلدات الصغيرة، وبعد أن تم علاجه انتقل لنيالا، وكانت في زهو عمرها الغض مطلع الستينيات من القرن الماضي، ليعيش فيها بقية عمره حتى اللحظة التي كان يتحدث فيها والقمر في محاقه وزماعه يرسل شعاعاً خافتاً على وجهه المبلد بالغموض!!ليس مجنوناً كما يظنه الناس، لكن وراءه صدى للحروب التي خاضها مجنداً مع الفرنسيين وخلف ستارة عمره رماد ودخان ودم!! بينما صورة الرعاة الرحل الذين أنقذوه والتجار السودانيين القادمين من مجاهل إفريقيا ومداراتها هي التي تزاحمت في دواخله وعقله وسكنت ثنايا قلبه.نهض متثاقلاً ولبث واقفاً مطرقاً برهة من الوقت، مثل فهد غير مروض، وحملته أرجله الطويلة ماشياً نحو حي الوادي شرق أو حلة مساليت، في طريقه لمخبئه الذي لم يزره فيه أحد، وخلف وراءه حرف (z) دون أن يتيح لعباءة الليل أن تغطي ملامح تاريخ مبلول..  أو وجه المأساة المتروك للعراء!!كانت خطواته على الأرض الصلبة.. تعبر قضبان السكك الحديدية كأنها توقع على الأرض صدى مقطع شعري لشاعر سوري حزين قاله قبل أربعين سنة:مخذولٌ أنا لا أهل ولا حبيبةأتسكعُ كالضباب المتلاشيكمدينةٍ تحترقُ في الليلوالحنين يلسع منكبيّ الهزيلينكالرياح الجميلة والغبار الأعمىفالطريقُ طويلةوالغابةُ تبتعدُ كالرمح

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

حالة الطقس بالخرطوم

Search