الجمعة، 26 أيار 2017

board

لتبقَ أعيينا مفتوحة

  > يجب ألا نقلل من الاهتمام بما يجري في دولة جنوب السودان التي تعصف بها الأحداث بشكل مزرٍ وخطير، وقد تجر علينا هذه الأوضاع ويلات لا حد لها إذا عمت الفوضى هذا البلد وتفرق أهله أيدي سبأ، لقد فقدت دولة الجنوب الأهلية كدولة وانهارت تماماً،

ولم تعد العاصمة جوبا تسيطر على كامل التراب الجنوبي وربما تسقط كعاصمة إذا استطاع متمردو الإستوائية حصارها وقد بدأوا الآن في تجميع صفوفهم وتنظيمها، ويزداد الضغط العسكري والسياسي على حكومة الرئيس سلفا كير مثلما يعاني غريمه رياك مشار من ضغوط خارجية، حيث تنوي جنوب افريقيا إبعاده، ولا ملجأ له في كل دول الإقليم التي رفضت استقباله .
> كنا قد قلنا إن الصمت الأمريكي المريب حيال ما يجري في الجنوب، وراءه علامات استفهام عديدة ، لكن خروج السيد باقان أموم الأمين السابق للحركة الشعبية الحاكمة في الجنوب وأحد رموز المجموعة الثالثة وهم مجموعة السجناء العشرة التي اعتقلت عقب الانقلاب المزعوم في ديسمبر2013م، يعطي هذا الخروج المفاجئ لباقان من منفاه الاختياري في الولايات المتحدة الأمريكية للمشهد السياسي الجنوبي تفسيرات إضافية وربما تساؤلات ملحة حول توقيت تصريحاته التي هاجم فيها سلفا كير واتهمه بقيادة جيش قبلي من أهله الدينكا لتطهير الجنوب من قبائله، ووصف ما يجري في مناطق الشلك في أعالي النيل وما جرى في بحر الغزال بأنه إبادة جماعية .
> يمكن أن يقال أنه منذ تفجر الأوضاع في الجنوب، كانت هناك خطة أمريكية رسمتها المخابرات المركزية (CIA) لاستنزاف كل من سلفا كير ورياك مشار واستبدالهما كطرفي حرب، بقيادة جديدة من المجموعة الثالثة التي يقودها باقان، وبما أن باقان لا حظوظ له ليكون الرجل الأول باعتباره ليس من قبيلة الدينكا وهي الأكبر في الجنوب، إلا أن ظهوره وخروجه للعلن بعد صمت طويل هو مقدمة لسيناريو سيري النور قريباً، وربما تكون أحاديثه وانتقاداته لسلفا كير مضافة اليها الاتهامات التي طالت مشار وقواته هي التمهيد للمطالبة بمحاكمة سلفا كير ومشار أمام المحاكم الدولية والضغط عليهما ليبتعدا عن واجهة القيادة في دولة الجنوب، والتسريع بطرح تسوية سياسية ترعاها واشنطون يتم من خلالها تنصيب قيادة جديدة لدولة الجنوب، والعمل على إعادة تنظيم الجيش الشعبي ومؤسسات الدولة في جنوب السودان، وهذه الفكرة طرحت من قبل بواسطة دوائر أمريكية ومجموعات الضغط التي دعمت انفصال جنوب السودان وتكوين دولته، لكنها لم تنضج بشكل جيد حينها، وها هي تعود من جديد وتطبخ على نار هادئة .
 > لقد سعت أطراف غربية عديدة إلى إعادة النظر في أوضاع جنوب السودان خاصة دول الترويكا، التي بادرت منذ فترة الى عقد لقاءات خارجية مع عدد كبير من الساسة الجنوبيين والمهتمين بقضايا هذا البلد الموبوء بالانقسامات والاقتتال، وربما تكون محصلة الحوارات واللقاءات والاتصالات هي ترتيب مرحلة ما بعد سلفا كير ومشار وإنهاء الحرب وإنتاج جنوب آخر .
> صحيح مثل هذا التدبير والتخطيط محفوف بالمخاطر وربما لا يكتب له النجاح، لما ثبت بالفعل من قلة الخبرة والتجربة الغربية بأوضاع الجنوب وتركيبته السكانية والسياسية وتداخلاته المعقدة، فالعواصم الغربية التي تحاول إصلاح ما أفسدته الحرب والخلاف السياسي والقبلي بين قادة دولة الجنوب، ستتعب جداً في إدراك الحقائق الدقيقة التي عليها الوضع الحالي، كما أنها لم تتفهم حتى الآن النصائح التي قدمت لها من دول (الإيقاد) ومن السودان تحديداً، لأن ما تم خلال الفترة الماضية لم يساعد على حل المشكلات المستعصية .
> يجب أن نعي نحن في السودان، أنه ليس من مصلحتنا انحدار الوضع في جنوب السودان وتطاول أمد الحرب وآثارها المدمرة وما ينتج عنها من لجوء لأعداد كبيرة من المواطنين الجنوبيين نحو السودان، واضطراب الأوضاع وتضعضع كيان الدولة الوليدة وانتشار المجموعات والحركات السودانية المسلحة الموجودة هناك سيخلق وضعاً شبيهاً بما يجري الآن في ليبيا، لكن في حال تحقق السلام والاستقرار وفقاً لترتيبات إقليمية جديدة ودور فاعل لـ (إيقاد) والسودان طرف رئيس فيها، فإن وجود الحركة الشعبية والجيش الشعبي بالكيفية القديمة المعادية للسودان لن يكون كما كان بأي حال من الأحوال .