الجمعة، 24 مارس 2017

board

في زامبيا .. وجوه وسط الغاب والآجام ..

 (أ)
تثير زيارة وزير الخارجية الخارجية الزامبي (هاري كالابا) للبلاد التي تبدأ صباح هذا اليوم ، ذكريات وأشجان لبلده الحبيب الذي علق بالفؤاد والذاكرة وسيبقى في النفس كالمحو الذي في وجه القمر ، تزول الأيام ولا يزول ،

وزامبيا هذا البلد الإفريقي العتيد رغم بعد المسافة تربطنا به علاقة تاريخية قديمة محفورة في وجدان الشعب الزامبي ولامعة في مسار تاريخه الحديث ، فالسودان من أوائل الدول الإفريقية التي ساندت حركات التحرر الإفريقية ودعمها وساندها بالمال والسلاح والسند السياسي حتى تحررت ، وكانت زامبيا ساعتئذ يوم تحررها من ربقة الاستعمار البريطاني ، هي أيقونة النضال في دول الجنوب الإفريقي ، ودرة تاج النضال المتلألئة كما النجوم الزواهر، وساعد المهندسون والفنيون العمال السودانيين في بناء وتشييد خطوط السكك الحديدية الزامبية ولذا زار كنيث كاوندا أول رئيس لزامبيا مدينة عطبرة عندما زار السودان عام 1964م كما ساهم السودان بخبراته في تشييد سد كادام أكبر سد لتوليد الكهرباء في العالم .
التجربة الزامبية جديرة بالنظر والتأمل ، فهذا البلد الإفريقي الذي عاند التاريخ والجغرافيا معاً، يخطو اليوم خطوات متقدمة نحو البناء والنهضة والتقدم بسرعة كبيرة تقول كل التقارير الاقتصادية الدولية الصادرة من جهات مرموقة إن سرعة النمو تتجاوز اقتصاديات كل البلدان الكبرى في القارة السمراء ، وكدولة مغلقة بلا منفذ على البحار والمحيطات ، تبدو الحياة في زامبيا تسير بوتيرة ثابتة ساعد في ذلك الاستقرار السياسي والوعي المجتمعي بالرغم من أن المجتمع يتألف من (73)قبيلة متوزعة المنابت والأصول برغم انتماء غالبها لإثنية البانتو التي تنتمي لها أغلب شعوب وسط وجنوب القارة الإفريقية ، ويتحدثون أكثر من سبعين لغة محلية أشهرها (ناينجا) التي يتحدثها عدد مقدر من السكان ، لكن اللغة الإنجليزية هي اللغة الأصلية مذ أن فرضها الاستعمار الإنجليزي مطلع القرن العشرين .
(ب)
بلد وهبته الجغرافيا ، الأنهر المتدفقة الصخابة ومصادر متعددة للمياه مثل نهر الزامبيزي وروافده الكثيرة (كافو ، وانغو،  لانغو ، بيانغو) وغيرها من الأنهر ، كما وهبه أكبر وأجمل شلالات العالم (شلالات فيكتوريا ) الساحرة عند الحدود مع زيمبابوي.
وتمثل زامبيا الآن جوهرة التقدم الإفريقي في الجزء الجنوبي ، ليس بسبب اقتصادها الذي يعتمد على التعدين وخاصة النحاس وهي ثاني منتج له في العالم ، إنما بسبب استقرارها السياسي وانفتاحها على العالم واحتضانها رئاسة منظمة الكوميسا ، ودورها داخل المجموعة الاقتصادية لدول الجنوب الإفريقي (سادك) وسهولة إجراءات الاستثمار وتشجيع المستثمرين الأجانب وطبيعة الشعب هي التي جعلت منها بؤرة جاذبة لرؤوس الأموال والاستثمارات الأجنبية خاصة من الصين ودول أوروبية وشركات آسيوية ضخمة ورأس مال عربي .
(ت)
تذكرت زامبيا والخرطوم تستقبل وزير خارجيتها الذي يزورها بدعوة من السيد وزير الخارجية ، ومرت أطياف عدة وجوه وشخوص قابلتها في العاصمة الزامبية لوساكا ، و باتت تمثل لي سحراً وضياء في مجاهل إفريقيا وغاباتها وسهوبها وآكامها وآجامها ..
 يعد الزعيم الإفريقي والمناضل الكبير كينيث كاوندا أعلى بيارق النضال الإفريقي ، بتاريخه المجيد في الكفاح ضد الاستعمار وتحريره لبلده عام 1964 وهو أول رئيس له ، ثم مساهمته الفاعلة في تحريض ودعم شعوب ودول الجنوب الإفريقي حتى نالت استقلالها وتحررت من الذل والعنصرية.
ويعد كاوندا البالغ من العمر (92) عاماً ، مزاراً من مزارات زامبيا ،  حكم بلاده منذ استقلالها حتى العام 1991 عندما هُزم حزبه في الانتخابات وفاز الحزب المعارض وتخلى كاوندا طواعية عن الحكم وسلمه للرئيس الفائز يومئذ فريدريك شيلوبا.
 يقع منزل كاودنا في منطقة خلوية نائية خارج العاصمة على بعد ثلاثين كيلومتراً تقريباً ،على قمة تلة مطلة على غابة ضخمة تمتد على واسع الأفق البعيد ، يتكون المنزل من طابقين على مساحة واسعة وحديقة أمامية نبتت على حوافها أنواع متنوعة من الزهور ، وعلى مبعدة من الحديقة وعبر باب صغير صعوداً الى جزء من التل الصغير يوجد قبر زوجة الرئيس كاوندا التي توفيت قبل سنوات ويقوم الرجل التسعيني يومياً بزيارة قبرها ووضع الأزاهير عليه ..
جلسنا داخل الصالون المنخفض الى الأسفل ثلاثة أمتار ، وأطل علينا كاوندا يمشي على عكازته وعلى ممر وممشى مخصص له بدلاً عن درج السلم هتف الرجل (أووه سودان) ثم هرول نحونا جارياً كأنه يمارس رياضة محببة ، سلم علينا بحرارة وقال ( انا 92 سنة من منكم في عمري ..) وضحك ضحكة مجلجلة ، كان يرتدي سترة من الجلد المصنوع فوق قميصه القطني الداكن ، بدا متقد الذاكرة وحاضر الذهن ، رسمت السنوات على وجهه علامات واضحة لطول التجربة والخبرة ، دار حديث شائق عن النضال الإفريقي والسودان والحوار الوطني والسلام وتحقيقه في بلادنا وعن سر احتفاظه بحيويته وهو في هذا السن .. تحدث كاوندا وعيناه تحدقان عبر النافذة وينظر للسماء عن السودان وقال " للسودان تاريخ عريق وناصع في إفريقيا وهو الذي دعمنا كما ودعم كل حركات التحرر الإفريقية وكان بعضنا يحمل جوازات سودانية . فالسودان أسهم في تحرير القارة الإفريقية ، فلابد للسودانيين أن يعودوا الى تاريخهم ويوحدوا بلدهم ويحافظوا عليها ، نحن عندما طرحنا شعار توحيد زامبيا ( ون زامبيا ون نيشن) تحقق ذلك ولابد أن يطرح السودانيون هذا الشعار (ون سودان ون نيشين) وقال " ينبغي أن يتجاوز السودانيون ظروف الحرب ويتحدوا من أجل الحاضر والمستقبل . فالسودان قُطر وشعب حرر زامبيا وأنا سعيد بوجودكم اليوم هنا لترفعوا شعار السودان الواحد وأنتم اليوم طبقة مستنيرة ككتاب وصحافيين لقد استشعرتهم أهمية علاقة السودان وزامبيا هذا دليل على اهتماكم بالقارة الإفريقية وبلدانها وهو ما ظل عليه السودان دائماً وهذا ما يفرحني وأنا مطمئن لهذ العلاقات وتطوراتها ".  أصر الزعيم كاوندا على وداعنا أمام منزله وخرج معنا الى فناء المنزل الفسيح والتقطنا معه بعض الصور ، وأصر على البقاء في مكانه وقال (اركبوا السيارات ومروا أمامي لأهتف لكم مودعاً " ون سودان ون نيشن"..) ..
(ث)
الوجه الثاني ..في المركز الإسلامي وهو مؤسسة إسلامية ضخمة في قلب العاصمة لوساكا يقع في مساحة (75) فداناً ، به مدارس أساس وثانوي ومعهد للدعاة ومعهد حرفي صناعي وكلية جامعية ، ويدرس به مئات الطلاب مسلمين وغير ، ويشرف على هذا المركز الذي ظلت تدعمه منظمة التعاون الإسلامي رجل سوداني صميم هو الشيخ (عبد الكريم خيري) من أهالي محلية دنقلا  له ما يقارب الثلاثة عقود هناك ، ويقوم المركز بواجباته الدعوية والتعليمية لكل الشعب الزامبي وتعليم المسلمين منهم أصول وتعاليم الدين وتمول منظمة التعاون الإسلامي وبنك التنمية الإسلامي بجدة مشروعات المركز ومبانيه ، والشيخ خيري رجل في نهاية الستينيات من العمر، بلحيته الكثيفة ووجه الصافي وحديثه العميق الآسر ، يشعرك كأنك في عالم ملكوتي علوي ، صافي النفس والذهن ويعمل من أجل الدعوة بإخلاص نادر وفانٍ عجيب ، ويتحدث عن التحديات والصعوبات التي تواجه المركز والاسلام في زامبيا وحاجتهم الى الدعاة المؤهلين والأساتذة وغيرها من الوسائل التي تمكن المركز من أداء مهامه .
أما الوجه الثالث .. فهو الشيخ صالح أحمد إدريس الداعية الإسلامي الأبرز في زامبيا وهو من مدينة كسلا من قبيلة البني عامر، هاجر الى دول شرق إفريقيا كينيا وتنزانيا وزيمبابوي وموزمبيق ثم استقر في زامبيا، جاب الريف الزامبي كله من أقصاه الى أدناه ، نشر الدعوة الإسلامية في أرجاء واسعة من هذا البلد الإفريقي تجول في القرى والأرياف ، ومؤخراً خلال العام 2015 الى 2016 ، أسلم على يديه خمسمائة من أهالي الريف في شمال العاصمة ، تراه بزيه السوداني الجلباب والسديري الكسلاوي وبلحيته المعروفة وحديثه الهادئ المحبب للأهالي باللغتين العربية والإنجليزية تراه في الأسواق والطرقات والمساجد المنتشرة في لوساكا العاصمة مَعْلماً من معالمها المتحركة معروفاً لدى الجميع و عندما يتحدث إليك وهو يتناول جوانب مختلفة عن الإسلام في زامبيا وحياة المسلمين في كل المقاطعات وحرية العمل الدعوي وما يحتاج إليه المسلمين في هذا البلد وأهمية تأهيل الدعاة والمعلمين، وطالب أن تخصص فرص أكثر في جامعة إفريقيا العالمية للزامبيين. تشعر أن هم الدعوة لا تحده حدود ولا تدانيه سماء ..
(ج)
 وفد  الأستاذ نوح حسن أبكر منذ ما يقارب الثلاثين عاماً إلى زامبيا بعد رحلة قادته إلى عدة دول إفريقية ، هو من أبناء شمال دارفور ، لم يلبث إلا سنوات حتى صار من أشهر رموز السوط الاجتماعي والإعلامي السياسي في زامبيا ، له علاقات رأسية وأفقية مع كبار رجال الدولة والقيادات التنفيذية والسياسية والحياة الحزبية ، وهو أنموذج للسوداني الباهر بعلمه وتسامحه وقوة تأثيره ، لا تذهب إلى مكان أو تزور مؤسسة رسمية إعلامية أو حكومية إلا وحدثوك عن مستر نوح السوداني ، عمل مترجماً في عدة جهات وسفارات عربية حتى استقر به الحال بالسفارة السعودية في لوساكا ، ربى أبناءه فأحسن تربيتهم ، ومنزله هو مقصد السودانيين و الزامبيين ، تميز بروح طيبة واتزان وصبر نادر له سعة صدر وسماحة قلَّ أن تجد مثيلها عند إنسان وهو فوق ذلك إعلامي قدير ومرجع من مراجع العلم والتجربة والخبرة. 
في زامبيا .. تجد رجلاً سودانياً آخر عظيم الأثر والتأثير ، تسرب في نسيج المجتمع الزامبي وهو محل احترام الطبقة السياسية والرسميين ، وسعهم بعلمه وخبرته وتجربته ومكانته الرفيعة ، ولا يمكن لزائر لهذا القطر الإفريقي من أية جنسية إلا أن يتوقف عند الدكتور حامد البشير المدير الإقليمي لليونسيف أحد أهم وكالات الأمم المتحدة ، الرجل لم تغيره الوظيفة المرموقة ولا مكانته الرفيعة وهو محل تقدير من رئيس الدولة الرئيس (أدغارد لونغو) وجميع المسؤولين ، لم يتغير من طبيعة البقاري القح القح القادم من محلية القوز بجنوب كردفان ، ببساطته وعلمه وسعة أفقه وخبراته يتوافد عليه الناس من كل جنس ولون في مكتبه وبتواضعه كسب محبة كل من عرفه وتعامل معه ، هو أنموذج يشرف السودان ، مهموم بقضايا الوطن وتطوراتها ، متلهف لمرأى وطنه ينعم بالسلام والطمأنينة ..