السبت، 24 حزيران/يونيو 2017

board

مصر وراهن السودان (١)

ثار جدل كثيف في الداخل والخارج مؤخراً حول أحاديث السيد رئيس الجمهورية بشأن العلاقة مع جمهورية مصر الجار الشمالي للسودان ، بدأ الجدال عقب المقابلة الشهيرة لقناة العربية مع السيد الرئيس مطلع الشهر الجاري ، ثم الحوار الذي أجراه ستة من رؤساء تحرير الصحف مع رئيس الجمهورية خلال مرافقتهم له في زيارته الأسبوع الماضي الى دولة الإمارات العربية المتحدة ،

وتناول فيه العلاقة مع مصر ، ووصف حديث الرئيس بأنه انتقاد عنيف وواضح لجهات رسمية في الدولة المصرية تتعامل مع السودان بعدائية واضحة، بالإضافة الى ما قاله الرئيس عن دعم القاهرة بالسلاح والذخائر لدولة جنوب السودان مما أجج الصراع الداخلي فيها ، ومنذ فترة لم نشهد اهتماماً إعلامياً خارجياً وجدالاً داخلياً مثلما جرى لهذه التصريحات والأحاديث حول العلاقة السودانية المصرية ، التي تقول وزارة الخارجية السودانية دائماً إنها في أفضل حالاتها منذ عقود طويلة ، وربما يرجع ذلك الى ما كرره الرئيس البشير أكثر من مرة أن قوة العلاقة والأمل في تحسنها وتفهم أبعادها محصور في شخص الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونواياه الحسنة تجاه السودان ومعرفة المسؤولين السودانيين وخاصة العسكريين له وبشخصه منذ أن كان مديراً للمخابرات الحربية المصرية .
مهما يكن ، فإن ملاحظات بالغة الأهمية لابد أن تقال قبل أن تصل المجادلات مرحلة الفوران ، وتصل الخلافات ذروتها. فالواضح أن القاهرة الرسمية والجهات التي عناها السيد الرئيس البشير ومنها منظومة الإعلام المصري الخاص الموجه من قبل الجهات الرسمية إضافة للإعلام الرسمي نفسه ، تتخذ مواقف متوهمة من السودان وتعمل على إفساد العلاقة وتعمل على منع إغلاق الملفات الخلافية المفتوحة ولَم تزل بين البلدين .
هذه الملفات الساخنة تصر القاهرة على إبقائها كما هي وتحاول فرض الأمر الواقع ولا تبدي أية رغبة في إغلاقها وحلها ثم تجاوزها ، وتتمحور في قضية حلايب المحتلة من قبل الجانب المصري وخطت القاهرة خطوات نحو تمصيرها وتغيير هويتها ونزع السيادة السودانية عنها ، وتوجد شكوى مرفوعة من قبل السودان ضد مصر في الأمم المتحدة منذ العام ١٩٥٨م، وتجدد سنوياً وأخفقت كل محاولات التفاهم بين البلدين لتسوية الخلافات التي صبر فيها السودان كثيراً ولديه خيار التحكيم الدولي لكنه فضل طوال هذا الوقت المسار القنائي بحثاً عن حل وتسوية رغم معرفة القاصي والداني أنها أرض سودانية صميمة وسكانها البشاريين سودانيون أقحاح لن تسطيع القاهرة تغيير هويتهم وإبعادهم عن انتمائهم ووطنهم ، وحلايب ليست أرض صغيرة مهملة، بل هي مساحة تساوي ضعف مساحة لبنان تقريباً(١٨) ألف كيلو متربع مربع . ولَم يتخلَ السودان عن أرضه وترابه ومواطنيه طال الزمن أم قصر .
القضية الثانية أن القاهرة تحتضن بلا أدنى مراعاة لعلاقات الجوار والصلات التاريخية بين البلدين والشعبين ، كل فصائل المعارضة السودانية وخاصة الحركات المتمردة التي تحمل السلاح وتقاتل الحكومة والشعب السوداني وتسعى لإسقاط الدولة وتغيير هويتها ، وتحظى فصائل المعارضة بتعامل خاص في القاهرة وتتلقى دعماً سياسياً ومالياً وتقيم في شقق رسمية وتمارس نشاطاتها العلنية وتهدد بإسقاط الحكومة السودانية من داخل القاهرة ، ومعلوم أن الحكومة في الخرطوم بحثت هذه القضية مرات عديدة مع السلطات المصرية وسلمتها كافة الأدلة والشواهد وأسماء المعارضين وعناوين الشقق وأنواع الدعم المقدم لهذه الفصائل ، لكن الجهات الرسمية المصرية ظلت تتحجج بحجج غير مبررة ومقنعة وهي تنكر وجود المعارضة وتدعي أن القاهرة مفتوحة لكل السودانيين بلا استثناء ، وهنا لابد من الإشارة الى أن للصبر السوداني حدود ، مقابل ذلك لا تعدو أحاديث مصر عن إيواء السودان لمعارضين مصريين اتهامات لا يسندها دليل وهي محاولات لتبرير خطأ قاتل بإيواء القاهرة للمعارضين والحركات المتمردة السودانية.
أما القضية الثالثة التي تسهم باستمرار في تعقيد العلاقة بين البلدين ، هو الهجوم السافر والبذيء لوسائل الإعلام المصرية على السودان وقيادته ، ووصل هذا الهجوم حداً لا يمكن السكوت عليه ، والجميع في السودان يعرف أن القنوات والصحف المصرية التي تدعي الاستقلالية وأنها قطاع خاص هي وسائل إعلام موجهة وتحظى برضى الجهات الرسمية التي عناها الرئيس البشير ، ولَم تستجب القاهرة للاحتجاجات السودانية ، بل تركت الحبل على الغارب لينهش الإعلام المصري لحم السودان ويسيء الى شعبه ويشتم رئيسه.
أما في ما يتعلق بالدعم المصري لحكومة دولة جنوب السودان، فإنه يتجاوز الدعم والسند السياسي والتعاون العسكري التقليدي، فقد تورطت مصر وهي تدري ذلك جيداً في صراع داخلي جنوبي - جنوبي وتريد تحويله الى صراع إقليمي وجرجرة المنطقة ودوّل الإقليم في أتونه الملتهب ، والسودان يخشى أن يكون الدعم والتورط المصري سبباً في انفجار الأوضاع الإقليمية في منطقة حوض النيل وستكون مصر بالتأكيد أول الخاسرين لأنها الأبعد من تعقيدات أزمات هذه المنطقة ومشكلاتها المتشابكة ، ومن الملاحظ أن النظرة الإستراتيجية المصرية تجاه تراكيب هذا الإقليم لاتزال قاصرة وتنقصها المعلومات والمعرفة الدقيقة والخبرة .
نواصل غداً...