السبت، 19 آب/أغسطس 2017

board

عـــن طــــيور المـــــــــــاء.. هــــل تــــدري يــــا نعســــــــــان؟!

«أ»
لم تكن المدينة، ساعتئذٍ.. مدينة «الضعين» في انعطاف النصف الأول من السنوات الثمانين من القرن الماضي، إلا تلك البقعة الساطعة من الضوء، وبعض الأحلام والأمنيات الطائشة الضفائر والذؤابات، نوسدها الليل ثم نسلمها للخيال والظلام،

وكأن الزمن كان يمشي بعكازتين غليظتين، يتمهّل.. ولا يتعجّل، لعله يريد لكل مطمحٍ يتبرعم في نفوسنا، أن ينضج… ولكل حلم أن يرتوي قليلاً… والزمن غدّار لا يتوقف ولن ينتظر.. ونجمة الصبح تلك، تهب أنينها الغسقي، للضحى الذي تحول إلى بيدر من خزف الأمنيات.
كل شيء كان مواتياً للسفر والرحيل.. إلا مواقيت الصبا الغض التي لا تريد قوافلها أن تكب في المسير… مُسكرٌ ذاك الشجن، مرهق ذياك الحنين.. وتعود دائماً الليالي مثقلات بالشجى، رابحاتٍ من غنائم الوجد التي لا تنقطع ركائبها.. والرياح تزفر أحشاءها، وإحمرار عجينة الطوفان يوسم جلد الأفق الشاحب البعيد بلون الرحيل والغياب.
وفلسفة غامضة تتدلى من وهج الوقائع والحياة.. تقول إن الممكن بات هو المستحيل، والمستحيل اختزل ذاته في الإمكان، ورائحة الناس والمكان واحتراق الزمان.. كله بعض أنفاس الحياة.
لعل سيف الرحبي الشاعر العُماني الذي عاش بين الأودية والشعاب ومصت مُشاش روحه سواحر البادية.. كان هو ذاته الذي يمد رقبته عبر نافذة الزمن ويقول لنا والحزن يزحف في عينيه:
بين ليلة وضحاها.. اكتشفت أنني مازلت أمشي
ألهث على رجلين غارقتين في النوم
لا بريق مدينة يلوح ولا سراب استراحة..
على رجلين ثاويتين في النوم أنا الذي ظن بأنه وصل
وعند أول مدخلٍ تنفست رائحة القهوة ونباح الكلاب..
فكوّمت جسدي كحشد من المتعبين والجرحى
لكني عرفت أن الضوء الشاحب يتسلل من رسغي
خيط دمٍ يصل الشعاب بوديانها الأولى!!
«ب»
في ذلك الأوان، من نصف الثمانينيات الأول، ذات نهار قائظ، بعد رحلة مضنية بالقطار من نيالا إلى الضعين، دخلنا مباني وداخليات مدرسة الضعين الثانوية، قذفت المباني المترعة الشحوب، وسط القوز الأحمر التراب، داخل غابة ممتدة من أشجار نبات الغبيش القصيرة الكثيفة، في شرقي المدينة، قرب رهد «أبو تقيلة» لا جوار ولا حي ولا ملامح أخرى، سوى الغبيش والحيطان البائسة وصهريج «دونكي أب عمة» وهو يتشاهق للسماء كأنه مخلوق خرافي شاخص ومهيب.
المدرسة ملقاة خارج المدينة، بلا أسوار ولا موانع، يتساكنها الطلاب والأغنام وأبقار الرزيقات!! تتكون من ثلاثة أنهر، وشيِّدت الفصول بشكل متعجل بلا خيال، مبانٍ من صفين متقابلين بلا ممرات أو أروقة أو فرندات.. لا جماليات في البناء في ذاك المكان.. والداخليات التي تفصلها عن الفصول وقاعات الدرس، ساحة واسعة هي ميدان الرياضة.. لا تختلف في بنيانها عن الفصول.. حجرات طويلة هي عنابر الطلاب يتسع العنبر لأكثر من عشرين سريراً، تلاصقها حجرات وعنابر أصغر عند طرفي كل عنبرين كبيرين.. وفي الساحة وسط الداخليات مصلى مسقوف من القصب الجاف كأنضر راكوبة للعبادة، تتناثر في وسط الساحة بين مباني الداخليات أحواض حديدية ملئت بالماء للاستحمام والاستخدام الآخر غير الشرب..
وفي الجانب الغربي غرفة طعام ضخمة ومطبخ كبير وعريشة ملئت بالأثافي ونيران الطبخ، وطناجر ضخمة سوداء اللون يقف حولها الطباخون بأعواد خشبية ضخمة يعدون طعام الداخليات الذي لا يشتهيه أحد.. وأزيار وقلل ماء مخروطية طويلة لمياه الشرب.
وإلى الغرب منازل المعلمين، وميز ضخم للمدرسين المصريين والبريطانيين وبعض السودانيين القادمين من أصقاع السودان المختلفة بلا عائلاتهم، وعند منعرج الطريق الرملي الوحيد الغائر في الأرض، يوجد دكان ضخم من حديد الزنك يفتح في اتجاه الشرق يُغنِي المدرسة ومدرسيها وطلابها، عن اللواذ المرهق والطريق الطويل نحو سوق المدينة لشراء ما يحتاجونه.. والداخلية حياة أخرى.. وعالم لا يوصف يقدح زناد ناره في الجوف كأنه يحلق بجناحين من لهب يمدهما وينشرهما في الفضاء العريض للأحلام القادمة.
«ت»
المدرسة في ظروفها القاسية وصعوبة ضبطها وإدارتها، كانت تظهر فيها معجزة الأستاذ والمربي العظيم الضو محمد الضو أستاذ الجغرافيا الأسطوري في مدارس دارفور، الذي نسجت حوله العديد من قصص الإعجاب وحسن الإدارة وشدتها وصرامتها وشخصيته الباهرة الجادة.. كان المدير يجتهد إلى درجة الإعجاز، في إدارة مدرسة لم تنشأ أبداً لتدار وتنضبط.. كل شيء فيها كان مدعاة للفوضى، لا أسوار ولا لوائح في الداخليات لا كهرباء ولا أضواء، العنابر مفتوحة على الخلاء الواسع.. طرق اللواري السفرية تعبر داخل الداخليات، ومسار مراحيل العرب الرحل تجتاح فناء المدرسة وتستبيح عرصاتها وساحاتها، وبنات البادية على ظهور الثيران والحمير يعبرْنَ على مقربة من نوافذ الفصول والداخليات، فتسمع جلبة قرع و «بُخَس» الروب واللبن ورنين قناني السمن البلدي، وصليل الأساور وكل خلخال مُرِن، في أقدام الصبايا المائسات.
وقدر المدرسة أنها ملقاة على قارعة طريق اللواري السفرية الذاهبة والقادمة من وإلى «دار صباح».. وهي أيضاً على مقربة من شريط قضبان السكك الحديدية حيث تمر القطارات إلى نيالا ومنها تحمل الأحلام الصغيرة المسافرة، وتترك في المسامع أنين القطارات وصافراتها وهديرها ودخانها وصوت عجلاتها بإيقاعه الرتيب وملامح المسافرين ووجوه تتلاقى في سهوب السفر الطويل .. وإذا كان مجيء ومرور القطارات ليلاً، فإن ضوء القاطرة القوي يسطع من بعيد يغمر أرجاء المدرسة مبدداً ظلاماً شديد المكوث.
«ث»
كنّا ثُلَّة من أصدقاء، وسط طلاب المدرسة القادمين من كل مدن دارفور، ومن مدن السودان المختلفة، من عطبرة وكوستي وأبو خضرة بجنوب النيل الأبيض وملكال ورمبيك وواو وبابنوسة وأب زبد والأضية والأبيض وخشم القربة والدمازين وكادقلي وجلهاك.. كانت أحلامنا الصغيرة، تتقافز كالسناجب البرية، نرى الحياة على وجهها الحقيقي بلا طلاء، علمتنا حياة الداخلية وغلظتها وشظفها وقسوتها، روح التعاون والتكاتف والتكامل والتعاضد والتآلف العجيب.. الهمُّ واحد والجيب واحد والزاد القليل نتقاسمه كنبقة الفقرا..! ومثل حكايات المساء التي نبرع في نسج تفاصيلها بقلق شخصياتها التي تشبه لحد بعيد شخصيات شكسبير المنسوجة والمركبة والمعقدة من مداد قلمه وخياله الاهتيامي الغريب.
لكنها المدينة وحياة الداخليات الطلابية، تتدخل لتصوغ أفئدتنا ووجداننا النقي البريء كوردة صحراوية نبتت في زند الرمال، بدأنا نزهر كالنجيمات في حبنا للشعر والأدب وفنون الثقافة المختلفة، فالآداب والفنون هي ملاذات الطلاب في الداخليات، تتفتح المواهب وتتوامض الإبداعات، ويجلو رهق الحياة البصائر والبصر. والمدينة خلفنا، بمبانيها وبيوتها وقطاطيها وسوقها الضخم، وهدير اللواري وعربات «أم دورور» ومطاعمها الليلية وصخب المقاهي وفوانيس بائعات الشاي، وموسيقى ساعات الليل الذابلة، والطرقات الرملية، وأصوات أغنيات السكاري على الطرقات القادمين من حفلات تساهر حتى ساعات الصباح الأولى، كانت كلها تسكب في دواخلنا عصارة النبض الطروب والحس المبدع المندلق كضوء القمر الناشر عباءته فوق المدينة الضاجة، ولصخب الأسواق في تلك الأزمنة سحر عجيب.. يتعالى غناء عثمان حسين وإبراهيم عوض والكاشف وأب داؤود ووردي وصالح الضي وسيد خليفة ومحمد الأمين وغيرهم، في المطاعم الليلية ونداءات النادلة والجرسونات بأنواع الطعام، ولا أحد يسأم الحياة، وليست من صورة أزهى من ذلك الجرسون القادم من منطقة من مناطق الجزيرة، جلس وحده في مكان قصي بعد أن خفت حركة الناس وأتعب السهر عيون المدينة، مد رجليه أمامه وغني وعيناه تلمعان مع ضوء المصابيح والقمر المتوسط كبد السماء بصوت رنان:
الحنينة السكرة سمحة والله ومقدرة
جينا ليها نذكرا الحفلة لازم تحضرا
وبشبابها تنورا ..
«ج»
كانت لنا حياة أخرى على جداريات الزمن الزاهر ذاك في الأنشطة الثقافية بالمدرسة، أو من خلال ساعات اليوم الطويل، فعند كل ركن كانت هناك أقصوصة أو مطارحة شعرية أو غناء شفيف وجدالات لا تنتهي في كل شيء، وعلى الجدران كتابات الشعر وعيون الأدب العربي والرسومات المبدعة، بيد أن للطلاب في تلك السن جنوناً مفرطاً بالحياة والعالم من حولنا.. فزميلنا «حسن» الضخم الجثة الغريب الأطوار، سموه «جوشوا نكومو» على الزعيم الإفريقي الذي قاد نضالات الشعب الزيمبابوي مع روبرت موغابي، والأستاذ عبد الرحمن مدرِّس الرياضيات المصري الرجل الغامض الفارع الطول سمي «الدب القطبي»، والمعلم الصارم القسمات الحاسم القرارات، سموه «كافور الأخشيدي»، وزميلنا المحب للغة الإنجليزية إسماعيل حسن موسى سميناه على أغنية شهيرة للمغني الجامايكي الراحل »بوب مارلي (Kaya)، وأحمد إبراهيم الدليل ومحمد دنكس يعقوب يقصان علينا حكايات لا تنتهي من قصص السينما الهندية… تعددت الأسماء ذات الارتباط بالشخوص والتاريخ والعالم الفسيح، وثقلت موازين المدرسة من التفاصيل المدهشة والحياة الباذخة البريق الصاخبة المدار.. لكن ما يحيِّر ولم يزل، أن صديقنا «جوشوا نكومو» الذي قرر مغادرة المدرسة قبيل الامتحانات مسافراً إلى نيالا هازئاً بأي مستقبل منتظر، ولم يكن يخرج أبداً من شرنقته وصمته وعزلته، غادر الداخلية ونحن في الفصول في يوم دراسي شديد الوطأة، حاملاً حقيبته الحديدية الخضراء اللون ومرتبته البالية على ظهره بعد أن أحكم رباطها، متوجهاً صوب محطة القطار.. ترك على طريقة كتابة الذكريات والشواهد، على جدران عنبرنا الطويل.. بخط فارسي مشكل وبطابشير ملونة مقطعاً من قصيدة في المرحلة الابتدائية:
« مخطئ من ظن يوماً.. أن للثعلبِ ديناً»!!
واختفى من ذاك اليوم، لم نره بعدها ولم نصادفه في دروب العمر، كأنه شهاب ذاب في فلوات الفضاء وغاب. وفي قصيدة الشاعر العراقي علي جعفر العلاق.. بعض اتكاءات على ذكرى منسية:
أفتح قمصاني للريح وأهتف منتشراً كالماء
هذا الوطن الواسع جاء.. أبيض كالفضة مبتلاً
عذباً كطيور الفقراء يحمل قمصاناً للجرحى
وأضابير سيهبط منها المنفيون
الأطفال.. الريح.. الشعراء
هذا الزمن الواسع جاء
أحلاماً للمكتئبين
وأغصاناً لطيور الماء