الأحد، 20 آب/أغسطس 2017

board

مشروع نافق!!

> قبل فترة كنا نتحدث عن أن التحولات الداخلية هنا بعد الحوار الوطني والتطورات الإقليمية والدولية واتضاح صورة ما يجري في السودان، سيكون لها تأثير كبير في المعارضة السودانية بشقيها السياسي  والمسلح،

ومنذ عودة السيد الصادق المهدي للبلاد وفشل مجموعة نداء السودان في لملمة خلافاتها، كان واضحاً أن حمى التصدعات ستصل إلى قلب الحركة الشعبية كبرى المجموعات المسلحة التي تقاتل في جنوب كردفان والنيل الأزرق، ولم تفهم قيادات الحركة الشعبية وبعض متمردي دارفور أن المجتمع الدولي والإقليمي سئم الحرب في السودان وولى ظهره عنها، لسببين رئيسين، أولهما أن حكومة السودان انتهجت نهجاً مؤداه النهائي سيكون لصالح السلام والاستقرار، ولم تكن مبادرتها بالحوار الوطني سوى بداية الطريق لتسوية الأوضاع برمتها عن طريق آخر غير الحرب وفوهات البنادق، والأمر الثاني أن ما يجري في العالم والإقليم في المنطقتين العربية والإفريقية خاصة جوار السودان في دولة الجنوب وليبيا وقبلها في إفريقيا الوسطى ومناطق أخرى ظلت مرشحة للانفجار، دفع الكثير من القوى الدولية إلى وضع السودان في معادلة الأمن والاستقرار الإقليمي كلاعب لا غنى عنه، وكثير من القوى الدولية باتت على قناعة بأن السودان يمكنه أن يلعب دوراً في تهدئة الأوضاع في دولة جنوب السودان وفي مناطق أخرى في حاجة إلى أطواق نجاة سريعة.
> مع تبدل المواقف وتحسن صورة السودان الخارجية ودوره في المعادلة الفعالة بالمنطقة لم تقرأه قوى المعارضة المسلحة جيداً، ولم تكن تظن أن دائرة التأثير المباشرة وغير المباشرة للحوار الوطني وصداه وتجلياته في الإقليم والتجاوب والتأييد الدولي له، سيكسف الأضواء عن قوى المعارضة هذه ويجعلها مكشوفة وعرضة للضغوط بعد أن ثبت أن لا طائل من الحرب مهما طالت.
> ولعل ما تمخض عن الحوار الوطني ولغة الخطاب السياسي المتعقل والموزون للحكومة، كان صداه يصل إلى قواعد الحركة الشعبية في جنوب كردفان والنيل الأزرق وإلى عناصر الحركات المتمردة في مناطق إيوائها بدولة جنوب السودان وفي ليبيا، وشكل ذلك عبئاً إضافياً على الحركات وقطاع الشمال بالحركة الشعبية وهي لا تملك زمام المبادرة على مسارح العمليات، فضلاً عن أن الحكومة كسبت نقاطاً عديدة بإعلاناتها المتجددة لوقف إطلاق النار ودعوة حاملي السلاح للحاق بقطار السلام الذي وصفه رئيس الجمهورية أخيراً بأنه ركوب القطار بلا تذاكر.
> لم تفهم قوى المعارضة المسلحة والحركات وخاصة قطاع الشمال أن الأرض تميد تحت الأقدام، فدائماً وبمنطق الأشياء نداء السلام وصوته أقوى من أي صوت، ويمكنه أن يصل إلى كل أذن ويتلقفه كل قلب، ولم تقدر قيادات الحركة الشعبية قطاع الشمال حجم التأثير لهذا الصوت، مثلما لم تفهم بدقة ما يجري حولها ومؤشرات السلام المرفرف حول السودان وتخلصه من مشكلاته المعقدة وفي مقدمتها العقوبات الاقتصادية والحصار المفروض عليه زهاء عشرين سنة.
>  كل هذه المعطيات كان بالإمكان معرفة أبعادها والنظر في مترتباتها ونتائجها، لكن القيادة السياسية والعسكرية للحركة الشعبية قطاع الشمال كانت غارقة في جهلها سادرة في غييها، حتى أتاها نير شؤمها بالخلاف المتصاعد بين قادتها عندما اكتشفوا فجأة أن الحرب ودروبها اللولبية المتشعبة لن تؤدي إلى نتيجة في الشوط الختامي، حيث كان المطلوب هو إسقاط النظام في الخرطوم وتصفية وجوده وتغيير تركيبة السودان الاجتماعية والسياسية، وما درى قادة الحركة الشعبية أن السودان عصي على مثل هذه التحولات المدمرة وغير قابل للانكسار بالطريقة التي انهارت بها دول حوله.
>  وكان من الطبيعي لغياب رؤية متكاملة أو مواقف أصيلة نابعة عن قضية حقيقية مركزية تتبناها الحركة الشعبية قطاع الشمال غير الارتزاق ورهن الإرادة لدوائر غربية معادية للسودان، كان من الطبيعي أن تتصادم الرغبات والمطامع والشهوات بين قيادات قطاع الشمال وتنهار الآصرة السياسية والفكرية والروابط التي قام عليها نضال كذوب طيلة الثلاثين سنة الماضية، فما يجري بين أطراف الحركة الشعبية قطاع الشمال هو نتيجة عوامل متعددة وأسباب لم تتفرس في وجوهها وحقيقتها قيادات هذه الحركة حتى داهمتها وتناوشت رياح الخلاف العاصفة خيمتها، وستكون هذه هي بداية النهاية لمشروع سياسي مأزوم ونافق من يومه الأول.