الأربعاء، 28 حزيران/يونيو 2017

board

ذكرى شيخ حسن (1)

> بدأت أمس أولى فعاليات إحياء الذكرى السنوية الأولى لرحيل القائد والمفكر الإسلامي الكبير الدكتور حسن الترابي، وهي فعاليات تستمر حتى يوم السبت القادم،

حيث ستكون الليلة الكبرى التي يخاطبها عدد من ضيوف البلاد وممثل الدولة وقيادات سياسية ودينية وفكرية كبيرة، ورأت اللجنة القومية التي تضم طيفاً متنوعاً من رموز العمل السياسي والمفكرين ورجال الطرق الصوفية وقيادات اجتماعية، أن تسبق ليلة الإحياء الكبرى ندوات تتناول سيرة الترابي التعليمية والسياسية والفكرية والبرلمانية والدستورية، علها تحيط ببعض جوانب حياته التي وهبها لمشروع البعث الإسلامي والصحوة وتجديد الدين وتوطيد دعائم دولته.
> وكانت ندوة الأمس بجامعة الخرطوم بـ (كلية القانون) هي أولى هذه الندوات، واحتشدت للحديث فيها زمرة من معاصري الرجل ومجايليه منذ سنوات الدراسة الوسطى والثانوية بحنتوب وجامعة الخرطوم ودراساته العليا في إنجلترا وفرنسا، ثم تلاميذه الذين درسوا على يديه في كلية القانون بجامعة الخرطوم، وهذه السيرة التعليمية الثرة للترابي مهمة للغاية في معرفة الجذر الذي نمت منه فروع حياته الواسعة وتجربته الغنية بالعبر والمليئة بالعطاء والجهد والاجتهاد والمثابرة والدأب في سبيل ما كان يدعو إليه، وقد كانت ندوة الأمس مترعة بذكرياتها وافرة في معلوماتها خاصة معاصري الدكتور الترابي في سني دراسته الأولى مثل محيي الدين عووضة ود. عثمان أبو زيد وبروفيسور محمد الفاتح، وقد برز نبوغ وسمات الترابي الفكرية والمعرفية والقيادية مذ كان طالباً مشهوداً له بالتفوق والنجاح وسمو النفس التي تعلقت بالثريا، وبلغ طموحها الذرى الشم، وقدم أبناء دفعته ومن عاصروه في فترة دراسته الثانوية والجامعية معلومات مفيدة، وهي ببيلوغرافيا نادرة لشخصية كانت ملء السمع والبصر في الداخل والخارج، وأثرت في الحياة السياسية والفكرية والاجتماعية السودانية بدرجة ربما لا تضاهيها شخصية أخرى من أترابه وأضرابه.
> أما تلامذته مثل عمر شمينا المحامي والتيجاني الكارب وعمر عبد العاطي وعدد كبير ممن درسوا على يديه في كلية القانون بجامعة الخرطوم عندما كان الترابي هو السوداني الوحيد وسط أساتذة القانون الإنجليز بالجامعة، فقد وضعوا الإطار المكمل لشخصيته في إطار المسيرة التعليمية له، فهو السوداني الأول إن لم يكن الوحيد الذي جاء بجديد وهو يدرس القانون الدستوري، وأنار عقول تلاميذه بعلم غزير وافر ومنهج واضح يحفه ذكاء وفطنة كانا يميزان شخصية الأستاذ الجامعي الشاب الذي لم يلبث سنوات في الجامعة حتى تركها ليتفرغ للعمل السياسي في سوحه الفسيحة وصراعاته الحامية وسط غابة من الساسة الكبار والأحزاب التقليدية والطائفية السياسية المستحكمة، وبزغ نجمه سريعاً لامعاً ليرث في أقل من ثلاثة عقود قيادة دفة الحياة السياسية بأكملها ويؤسس لمشروعه السياسي والفكري ويشيد الصرح الذي سعى إليه.
> اليوم تتواصل الندوات بقيمتها العالية وإفاداتها الثرة والمثيرة، حيث تنتقل من جامعة الخرطوم حيث دَرَس الترابي ودَرَّس، إلى جامعة النيلين حيث تتناول ندوة اليوم المسيرة السياسية للترابي، وهي ندوة لا تقل أهمية عن مسيرته التعليمية في تنوع مجالاتها وتشعب مسالكها ودروبها وعظم أثرها وثقلها في ميزان التجربة والاجتهاد والعمل، وهي تلخص في مضمونها التاريخ السياسي للسودان خلال ستة عقود من عمر البلاد، منذ التزام الترابي وانتمائه للتيار الإسلامي الناشئ في خمسينيات القرن الماضي، ثم تفرغه للعمل السياسي بعد اعتزاله في فترة باكرة جداً قاعات التدريس بجامعة الخرطوم، فثورة أكتوبر التي أسهم الترابي في تفجيرها وكان فارسها الأول فوق جيادها المطهمة، كانت منصة الانطلاق له في سماء السياسة السودانية، ولعل أبهى صورة للترابي السياسي كانت تلك الفترة خلال أكتوبر الثورة وسنواتها حتى انقلاب مايو، فهو أيقونة العمل السياسي يومها وجديد خطابها وندواتها ولياليها السياسية وإشراق فكرها الجديد ونهجها في برلمانات تلك الحقبة، وبعد انقلاب مايو كان الترابي هو السجين الأول والأطول مكوثاً في سجون الحقبة المايوية، وكانت الجبهة الوطنية التي تكونت من الحزبين الكبيرين والإسلاميين هي التي أجبرت مايو على التراجع واللجوء للتصالح، وانطلق التيار الإسلامي بقيادة الترابي عقب المصالحة إلى فضاء جديد بني فيه أهم تنظيم وحركة سياسية في تاريخ السودان من الشباب المستنير المتعلم وقطاعات من المثقفين، ومهدت فترة المصالحة لمرحلة مهمة في مسيرة العمل الإسلامي سكب فيه الترابي عصارة فكره في البناء الفكري والاجتماعي وإرساء تجربة الاقتصاد الإسلامي والعمل الدعوي والجبهوي، وانفتحت له كل الآفاق ليسهل عليه عند فشل الديمقراطية الثالثة قطف ثمار سنوات البناء بقيام الإنقاذ ثم خلافه معها، ثم تحالفاته المثيرة للجدل حتى اللحظة الراهنة التي راهن فيها على الحوار الوطني وجمع الكلمة والصف.
> ويتوقع أن تكون ندوة اليوم التي يتحدث فيها من رفقاء الترابي عثمان خالد مضوي وأحمد عبد الرحمن محمد وممثلو الأحزاب السياسية خاصة اليسار وقوى الإجماع الوطني وقيادات من جنوب السودان مثل كستلو قرنق، ندوة تثير النقع السياسي وتعيد حرارة التفكير والجدل العام لفترة طويلة.
(نواصل).