السبت، 29 أبريل 2017

board

علي الحاج

> بتولى الدكتور علي الحاج محمد موقع الأمين العام للمؤتمر الشعبي خلفاً للأستاذ إبراهيم السنوسي الذي جاء عقب وفاة الدكتور الترابي، يكون الأمين العام الجديد وهو يرث ميراثاً ثقيلاً قد وضع رجليه بتكليف إخوانه له على سطح صفيح ساخن، ويطأ جمر الواقع الواهن للسياسة في بلادنا، ولن يشكل غياب الدكتور علي الحاج عن البلاد وابتعاده الاختياري بإقامته في ألمانيا ما يقارب العقدين من الزمان تقريباً، لن يشكل له معضلة كبيرة في التعامل مع الرمال المتحركة التي يقف عليها العمل السياسي السوداني في كل جوانبه، ورغم متابعة ومعرفة علي الحاج وهو في مهجره طيلة هذه الفترة ما يعتري الساحة السياسية والتحولات الاجتماعية الحادة التي حدثت، إلا أنه بكل بساطة يعرف خفاياها وأسرارها، ومن يراقب ويتابع عن بعد وينظر للصورة في إطارها الكامل يمكنه تصور الحلول ومعرفة المخارج والدروب. ولسنا في حاجة هنا، للحديث عن الدكتور علي الحاج بوصفه أحد أهم قيادات الحركة الإسلامية التاريخية، فهو عضو ملتزم فيها مُذ كانت ثلة طلابية صغيرة في منتصف خمسينيات القرن الماضي، ولعب طوال تاريخه الحركي والتنظيمي ادواراً كبيرة وعاصر أحداثاً وشارك في الانعطافة الكبيرة والضخمة التي أنتجت الحركة الإسلامية بحداثتها واجتهاداتها وتغييرها للواقع السوداني في كل جوانبه ومساراته، كما أنه لم يكن بعيداً عن الزلزال الذي ضرب الحركة حتى انقسمت، وعلى دراية ومعرفة بأسباب الحريق في دارفور، وعلى المام لا يبارى ولا يجارى بقضية جنوب السودان حتى انفصل .
> فالحديث عنه بهذه الصفات كثير ومثير، يعلي من أهميته ومكانته السياسية أكثر، لكن ما نود الإشارة اليه في هذه الكلمات، هو نوع القناعات الفكرية والسياسية الجديدة التي اقتنع بها الدكتور علي الحاج وهو في مهجره، فالحقيقة أنه لم يعش لأول مرة في الغرب فقد درس في بريطانيا في المراحل فوق الجامعية وعمل طبيباً هناك وله علاقات وصلات في أرجاء العالم الفسيح، لكن فترة وجوده في ألمانيا منذ المفاصلة وحتى عودته قبل أسابيع ليستقر بشكل نهائي ويتولي قيادة المؤتمر الشعبي، هي التي تستحق الإشارة إلى تمخضاتها وتأثيراتها عليه، استطاع علي الحاج أن يزاوج وفق دراسة عميقة ومعايشة دقيقة ما بين المفهوم الإسلامي للحرية السياسية ومقتضياتها وأشراطها وما بين الفكر السياسي الغربي وثمرته اليانعة الديمقراطية بحالتها الراهنة ونسختها المتفق عليها، وتجذر إيمان علي الحاج بالحرية لأنه كان في خلوة أشبه بخبرات المتصوفة وهو في مراجعات مستمرة  لمسيرة الحركة الإسلامية في السودان ودورها وتجربتها التي خاضتها في الحكم منذ عام ١٩٨٩م، ومن زار علي الحاج في ضاحيته التي يعيش فيها قرب مدينة بون الألمانية في إقليم شمال الراين، يعلم أن مراجعاته كانت ذات أثر كبير في طريقة تفكيره وتفاعله من قضايا الواقع بعيداً عن الإسراف في التحليق كما يفعل الكثير من القادة الإسلاميين والدعاة، وأذكر هنا أنني زرته في ألمانيا قبل عدة سنوات، ولم يكن هناك أي تقارب بين المؤتمر الشعبي والحزب الحاكم، والظروف الدولية كانت ضاغطة على السودان، ولَم يكن هناك من يحلم بأي تحاور أو نقاش بين أطياف الحركة الإسلامية السودانية وأطرافها المنقسمة، وجدته يدرس الواقع والمستقبل ويستعين بالماضي، وكان يومها في أرفف شقته الصغيرة وطاولاتها قد وضع مجلدات تحتوي على محاضر مؤتمر المائدة المستديرة في ستينيات القرن الماضي. ومحاضر اتفاقية أديس أبابا في مارس ١٩٧٢م والاتفاقيات التي تمت في فترات لاحقة حول قضية جنوب السودان حتى نيفاشا في ٢٠٠٥م، بالإضافة إلى عشرات الملفات والأوراق والدراسات والتقارير حول قضية دارفور والمنطقتين جنوب كردفان والنيل الأزرق، وقال لي وهو الخبير في هذه القضايا إن مشكلة الحرب والصراع السياسي المسلح في السودان يمكن حلها، وتناقشنا حول أفكاره وتصوراته لساعات طويلة، وكان ما يطرحه آراءً سبق بها حتى حزبه، ففي ذلك الوقت لم يكن الدكتور الترابي يرى ما كان يراه علي الحاج، فقد سارت في تلك الأيام ما تشبه الشائعة بأن علي الحاج تجاوز حزبه وسربه وطرح أفكاره التي تمثله هو ولا تمثل المؤتمر الشعبي، ولأن الشيء بالشيء يذكر فإن جملة حواراتنا وأحاديثنا معه في تلك الفترة تمت صياغتها في ما يشبه المقترحات النصائح أو المبادرة، وقدمت للسيد رئيس الجمهورية يومها والصراع السياسي والاحتراب بين الفرقاء الإسلاميين على أشده، وليس هناك ما يجعلني في ريب أن الدكتور الترابي بحصافته وإدراكه وهو كثير الاستماع لعلي الحاج في مهجره آنذاك قرأ الواقع الدولي والإقليمي آنذاك وما تلاه من فترة الربيع العربي وتداعياتها، فحدث ما حدث من انعطاف. ونتمنى للدكتور علي الحاج التوفيق والنجاح فقد ارتقى مرتقى صعباً، وجلس على كرسي ومكان كان شاغله يملأ الدنيا ويشغل الناس بقدراته المذهلة وأفكاره المستبصرة وآرائه التي تقيم الدنيا ولا تقعدها، إن علي الحاج سار على ذات النهج وبقناعاته التي عبر عنها في خطابه أمس بعد انتخابه أميناً عاماً للمؤتمر الشعبي ... فقد وصل.