الثلاثاء، 27 حزيران/يونيو 2017

board

 مواسم التكهنات السياسية

> تمتلئ الصحف بعديد التكهنات حول الحكومة المقبلة ، وتنشر الصحف عند كل صباح تخمينات بتعيينات في مؤسسة الرئاسة وأخرى وزارية ، وجُلها منسوب لمناخ الاستوزار الذي يخيم على عدد كبير من طلاب المناصب والمواقع،

وهم من يسرِّب المعلومات غير الصحيحة ويشيع أجواء من التوقعات ربما الممكنة والمستحيلة . ولعل هذه المرحلة تعد الأخصب في تاريخ البلاد لمثل هذا النوع من التكهنات والأنباء ، نظراً لدقة الظرف السياسي وما رافق عملية الحور الوطني وحكومته المقبلة من نقاشات وترقب قلّ نظيره في تاريخ تكوين الحكومات الوطنية.
> ومن الموضوعات التي تستحق النظر فيها ودراستها ، هذه الحالة التي تعتري كثير من السياسيين من اشتهاء مُفرط لكراسي السلطة ، وبالقطع ليست مقصورة على السودانيين، فهي موجودة في كل زمان ومكان في الدنيا وفي عالم السياسة وأروقة السلطة ومناخات السلطان ، لكنها في الآونة الأخيرة بلغت درجة أن يتخلى السياسيون عن كوابح أخلاقية ضرورية وموجبة بعدم طلب المنصب واللهث خلفه والجري وراء بريقه اللاهب ، وتتبدَّى هذه الحالة بالتصاق بعض المنتظرين على أبواب التعيينات الحكومية والمواقع الدستورية بالصحافة ووسائط الإعلام ، تلميعاً لأنفسهم وترويحاً لها بنشر أخبار تشي بقرب تعيينهم أو ترشيحهم للموقع (الفلاني والمنصب العلاني) ، وتزدحم هواتف الصحافيين باتصالات ورسائل بعضهم فيه نذراً من تلميح ذكي وبعضها طلب مباشر ، والغريب أن بعض المتصلين أو الملتصقين يريدون أيضاً أن تنشر لصالحهم أخباراً تقطع الطريق أمام خصومهم ومنافسيهم مفادها قطع الشك باليقين لدى القارئ أن زيداً من الناس لا مجال له بالظهور على واجهة الحكومة المقبلة .
>  في البحث عن أسباب هذه الحمى وجائحة المرض العضال الذي يصيب طالبي السلطة ، لا يمكن أن نغفل أن السياسة باتت حرفة ومهنة يتفرغ لها أصحابها ويستوفون شروطها الغامضة . فالطبيعي إن السياسي يمكنه أن يكون طبيباً او معلماً او مهندساً او أستاذاً جامعياً او موظفاً او تاجراً او أية وظيفة ومهنة أخرى ، يمارس حياته حتى يأتيه التكليف المحدد فيتفرغ له ، لكن أن تكون هناك طبقة سياسية لا هم لها ولا عمل سوى التمرغ فوق تراب المناصب السياسية ، فهذا هو السقام المميت بعينه اذا ترك هكذا ، ولا ينبغي لنا سوى البحث في كيفية الشفاء منه، خاصة اذا كان المصابون به بالمئات او الألوف .
> فمن أسباب هذا المرض أن التجربة دلت أن أسهل الطرق نحو ترتيب الأوضاع او الثراء هو المنصب السياسي . فالسياسة والسلطة تجلبان المال ، على طريقة المثل الدارفوري العتيق (سلطة في ساق ولا مال للخناق) ، فارتباط السلطة بالمال سبب من الأسباب القوية للسعي وراء المواقع ، ثم أن السلطة والجاه تحيطان السياسي المتموقع في منصبه بهالة من النفوذ والمكانة الاجتماعية تستمر معه كلما علا في المراتب وتناطح في المناصب .فلا يتخلى عنها مخافة أن يقع من عليائه وأن تدوسه الحوافر إن بقي في قاع المجتمع او تناساه الناس وانكسفت عنه الأضواء .
> ولعل المرائي والصور التي أمامنا في تجربتنا المعاصرة للأخلاقيين السياسيين الذين ابتعدوا عن الأضواء واحتواهم البيات والنسيان ، يعيشون حياتهم بمكابدتها وعنتها وغلظتها وهؤلاء صاروا عُملة نادرة ينفر منها الكثير من العامة والدهماء وقصيرو النظر ، بينما الصنف الثاني غيرهم ممن كنزوا الأموال وتنافسوا الدنيا ، فهم أنموذج اليوم بكل دمامله وقبحه ، يبحثون عن صورهم في مرايا الزيف ويترقبون أخبار الصحف وسماع الأنباء وتداولها عن ترشيحاتهم ومواقعهم المرتقبة .
>  ليس من المنظور أن نتخلص من هذا النوع من الأمراض السياسية إن لم تتحول السياسة الى فعل بنَّاء وخلاَّق يقوم على أنموذج واضح من الأخلاق والقيم والفائدة المُرتجاة . فالسياسة أن تخدم الناس لا أن تتخذها وسيلة لخدمة الذات..