الخميس، 17 آب/أغسطس 2017

board

جــــــزاء سـنمَّار..!!

> قصة غريبة بالفعل .. ورب الكعبة غريبة!! لكن هذه هي أخلاق السودان والسودانيين.
>  في الأسبوع الثاني من عام 2015م، توافد عدد كبير من وزراء الخارجية والمندوبين الدائمين للبلدان الإفريقية لدى الأمم المتحدة على مقر البعثة السودانية بنيويورك أثناء اجتماعات الدورة (69)   للجمعية العامة،

ثم وصل بعد حضور ممثلي الدول الإفريقية وزير الخارجية المصري سامح شكري، وكان على رأس الاجتماع في القاعة الكبرى بمقر بعثتنا الأستاذ كمال إسماعيل وزير الدولة بوزارة الخارجية، وغرض الاجتماع كان قيادة الحملة المساندة لدعم ترشيح جمهورية مصر العربية الجار الشمالي للسودان لنيل عضوية غير دائمة في مجلس الأمن الدولي.
>  وخاض السودان عملية صعبة ومعقدة في التشاور مع ممثلي الدول الإفريقية ووزراء خارجيتها خلال الدورة (69) لاجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بدأها بروفيسور إبراهيم غندور ثم واصلها الوزير كمال، وكان اجتماع ذلك اليوم هو ختام الجهود المضنية لتوحيد كلمة إفريقيا والإجماع على ترشيح مصر ومساندتها لنيل المقعد، وكانت هناك بلدان كبرى في القارة تنافس القاهرة قبل تلك الحملة التي قادها السودان وأدت في نهاية الأمر لانسحاب تلك الدول لصالح مصر.
> ويذكر كاتب هذه السطور جيداً وكان حضوراً في ذلك اليوم وغطى جانباً من الاجتماع كصحفي، أن السودان ممثلاً في الوزير كمال إسماعيل بذل أقصى ما عنده حتى تكلل الائتمار الإفريقي بالنجاح، رغم حدوث لغط حول إمكانية مشاركة ممثل للصحراء الغربية في ذلك الاجتماع. وكان ممثل المملكة المغربية قد احتج بشدة على ذلك، لكن ما أن انتهى اللقاء الطويل بتوافق وتأييد إفريقي كامل لترشيح مصر، حتى سار سامح شكري وزير الخارجية المصري في الممر الطويل بمقر البعثة السودانية مبتسماً ابتسامةً عريضةً ولسانه يلهج بالشكر لوزير الدولة كمال وللسودان، لما بذله في الاجتماع، والذي لولاه لكان الطريق طويلاً وشائكاً ووعراً لبلوغ القاهرة  المقعد والعضوية غير الدائمة ومدتها فقط عامان.
> قبل ذلك بقليل كان لاتصالات السودان وجهوده والرحلات الماكوكية لوزير الخارجية وكبار المسؤولين السودانيين في أرجاء إفريقيا، دور كبير في إرجاع مصر إلى الاتحاد الإفريقي بعد تجميد عضويتها في 2013م عقب الانقلاب العسكري وإزاحة الرئيس المنتخب الدكتور محمد مرسي، ولدى الاتحاد الإفريقي قرار صادر من قبل بتجميد عضوية أية دولة يصل فيها نظام الحكم بانقلاب عسكري وعدم الاعتراف بالنظام الجديد.. ولولا الجهود التي قام بها السودان وإقناعه البلدان الإفريقية خاصة البلدان الكبيرة ذات النفوذ والمكانة السياسية المؤثرة في الفضاء الإفريقي، لظل مقعد مصر خالياً وفارغاً داخل الاتحاد الإفريقي.
>  إذن.. السودان هو الذي أسهم مع المجموعة الإفريقية ومجموعة الـ (77) والصين والمجموعة العربية في حصول مصر على العضوية غير الدائمة التي تتمتع بها حالياً في مجلس الأمن الدولي، وهو الذي أقنع الأفارقة بإعادة مصر إلى البيت الإفريقي بعد أن طردت منه عقب الانقلاب العسكري على الحكم الديمقراطي الشرعي وتولي الجيش السلطة، والسودان هو الذي يساند المصالح المصرية في مياه النيل منذ عام 1959م ويدفع ثمن هذا الموقف دائماً، ويتحمل تبعات ذلك من حصته في مياه النيل، وتذهب أكثر من عشرة مليارات متر مكعب من المياه سنوياً إلى أرض الكنانة، ولم توقع حكومة السودان على اتفاقية عنتبي لمياه النيل مع بقية دول الحوض مساندةً لمصر ومجاملة لها.
> ولسنا في حاجة لإيراد ما ظل يقدمه بلدنا ويضحي به من أجل جارتنا الشمالية التي يذهب منا إليها الخير كله، وتأتينا من قبلها جيوش الاستعمار وحملات الاحتلال على مر التاريخ خلال القرنين الماضيين، ولسنا في حاجة لتذكر ما قدمناه فدى لها بقبولنا إغراق أعرق وأجمل مدننا في الشمال، مدينة وادي حلفا، وتهجير آلاف الأسر السودانية من أوطانهم الأصلية إلى مناطق بعيدة من أجل قيام السد العالي وخزان أسوان.
> أبعد كل هذه الحقائق، هل يكون جزاء مصر لنا مقابل كل تضحياتنا وجهودنا عبر الحقب حتى وصول مصر إلى المقعد غير الدائم بمجلس الأمن الدولي هو جزاء سنمَّار، وترد علينا الإحسان بالإساءة, ويقف نائب مندوبها ليطلب من مجلس الأمن الدولي عدم رفع العقوبات الأممية التي فرضها القرار (1591) عام 2005م على بلادنا؟!
> السودان اليوم بمثابة المهندس النبطي العراقي القديم (سنمَّار) الذي بنى قصر الخورنق للملك النعمان بن المنذر بن ماء السماء ملك الحيرة، فلما انتهى من بناء القصر وكان تحفة من تحف الزمان المعمارية، انتظر سنمَّار جزاءً من الملك النعمان يكافئ إبداعه وجهده، لكن الملك أمر به فألقي من أعلى القصر، مخافةَ أن يبني لأحد غيره قصراً يفوق الخورنق جمالاً وبهاءً، فضرب بقصة سنمَّار مثلاً في مقابلة الإحسان بالإساءة!!