الثلاثاء، 27 حزيران/يونيو 2017

board

ما السبب ..؟

> ما هي القضايا الحقيقية التي حركت الإعلام المصري وبعض دوائر الحكم والسياسة في مصر، لتشن حملتها الضارية ضد السودان وتنفث سمومها عليه ..؟ ولماذا تصل الحملات الإعلامية المسعورة حداً لا يوصف ولا يمكن قبوله أو تصوره من جار قريب وظللنا نعده شقيقاً أكبر ..؟،

ولماذا تتجرأ سلطات الدولة الرسمية ومؤسساتها في الجارة الشمالية على اتخاذ مواقف عدائية تتناقض والمواقف السابقة والتزامات مصر بها خاصة الموقف العربي الموحد من هموم السودان وتحدياته والإجماع الإفريقي الذي لم يحدث في تاريخ القارة بشأن القضايا السودانية وما تواجهه بلادنا من مؤامرات غربية تستهدف وجودها ..؟!
> في سياق ما يجري بين البلدين وتراشق وسائل الإعلام والصحافة هنا وهناك، تمت بحذق ومكر تغطية وتعمية الأسباب والدوافع وراء الموقف المصري الحاد والمتشنج تجاه السودان، وحسب ما هو متوفر من معلومات غطت بعض الأحداث والمواقف الصورة الحقيقية لما كان يجري في الغرف المغلقة ووراء الستر والحجب في الفترة الماضية، وكان الظن أن تباعد الخطى بين الخرطوم والقاهرة في بعض الملفات والغيرة السياسية المصرية من تنامي وتطور العلاقات السودانية الخليجية وزيارة السيد رئيس الجمهورية أخيراً إلى إثيوبيا وموقف السودان من سد الهضة الإثيوبي والاجتماعات الأخيرة لوزراء الري في دول حوض النيل بكمبالا، ورفض مصر التوقيع على الاتفاقيات المتعلقة بالسد الإثيوبي، هي أسباب ودوافع الغضبة المضرية المصرية، لكن حقيقة الأمر أن مصر في الآونة الأخيرة أرادت أن تصرف نظر الداخل المصري رغم قرار المحكمة الإدارية العليا المصرية بشأن جزيرتي (صنافير وتيران)، حيث كانت تعكف على إجراءات تسليم الجزيرتين للمملكة العربية السعودية، وقام الجانب المصري سراً ودون اطلاع السودان بترسيم حدودها البحرية مع المملكة العربية السعودية على البحر الأحمر، وهي حدود بحرية لها تماس مع حدود السودان البحرية المواجهة لمثلث حلايب السوداني، وسعت السلطات المصرية في سرية تامة لإجراء ترسيمها للحدود البحرية وحاولت إيداعها لدى الأمم المتحدة، لكنها فوجئت بأن السودان لديه قانون لحدوده البحرية وكل الوثائق حول حدوده البحرية المجاورة لجزيرتي صنافير وتيران، وهي دليل كافٍ على أحقيته بحلايب وشلاتين وتأكيد سودانيتها، وأن هذا مودع أصلاً لدى المنظمة الدولية ومعترف به دولياً. ولا يمكن تغييره أو القفز عليه.
>  وهنا كانت ورطة الحكومة المصرية، فإن هي احتجت وأعلنت عن هذه الخيبة والفشل في ترسيم الحدود البحرية قبل تسليم الجزيرتين للسعودية وحاولت اللجوء للتحكيم الدولي، تكون قد فتحت مضطرة ومكرهة ملف حلايب وشلاتين، وسيكون الموضوع إما أمام التحكيم الدولي أو التفاوض مع السودان، وكلا الخيارين ظلت ترفضهما الحكومات المصرية وهي ماضية في إجراءات تمصير المنطقة وتغيير هويتها وأخذ ثرواتها والاستفادة منها، ومن غرائب الصدف أن حديث نائب المندوب المصري في مجلس الأمن (في جلسة مغلقة قبل أسبوع لخطة عمل مجموعة الخبراء) ومطالبته بالإبقاء على العقوبات المفروضة على السودان بموجب القرار الأممي (1591)، كان بعد ساعات من اكتشاف الجانب المصري أن حدود السودان البحرية وقانونها وفق المتعارف عليه في القانون الدولي مودع أصلاً لدى الأمم المتحدة، ولذا كانت ردة الفعل المصرية قوية تنم عن غضب وحنق كبيرين عبر عنهما نائب المندوب المصري لدى الأمم المتحدة ووسائل الإعلام الغضوبة في جارتنا الشمالية.
> هذه الحقائق عمقت الصدمة الموجودة أصلاً في العقلية والذهنية المصرية التي ظلت تعتقد أن السودان قد فلت من قبضة مصر.. بعد أن ساد الاعتقاد لدى المصريين لحقب طويلة أن السودان مجرد تابع لمصر ولا يمكنه أن يكون مستقلاً ولا يدور في الفلك القاهري .. فتراكمت عوامل متعددة وتضافرت وزادت طبقات عديدة على هذه الصدمة وما ترتب عليها، منها مواقف السودان المستقلة عن مصر وسياساته الخارجية واستقلال قراره، فدخول السودان في حلف استراتيجي مع دول الخليج العربي وعلاقاته الممتازة مع جيرانه خاصة إثيوبيا ودوره الإفريقي الكبير، جعل القاهرة الرسمية والإعلامية لا تنظر إلى ما يجري في البلاد إلا بالتوجس والريبة والشك وربما الغيرة التي تأكل قلوب أصحابها.