الأربعاء، 28 حزيران/يونيو 2017

board

الخير القادم

> تحركات جيدة ومثمرة يقوم بها الوفد الاقتصادي برئاسة وزير المالية في العاصمة الأمريكية واشنطون، في اجتماعات الربيع للبنك وصندوق النقد الدوليين، ومع الإدارة الأمريكية خاصة وزارة الخزانة والبنك المركزي الأمريكي واللجان المختصة في الكونغرس،

تمهد كما كان يقول وزير المالية بدر الدين محمود أمس في تصريحات صحفية له من واشنطون، لرفع العقوبات الأمريكية عن السودان في يوليو المقبل، كما حمل تصريحات بشارات أخرى بإمكانية معالجة ديون السودان الخارجية البالغة (47) مليار دولار، حيث جرت خلال اجتماعات الصندوق والبنك الدوليين خاصة مع الإدارة العليا وما قامت به المجموعة العربية، مباحثات فعلية وجادة سيكون مؤداها إعفاء الديون بعد أن استوفى السودان كل اشتراطات إعفاء الدين الخارجي.
> ونعلم منذ البداية أن قضية الديون خاصة لنادي باريس وبعض الدول الغربية وبيوتات التمويل، هي قضية سياسية بامتياز، وأذكر أنه في اجتماعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في ليما عاصمة جمهورية البيرو بأمريكا اللاتينية في عام 2015م، استمعت شخصياً من مستشار السيدة كريستين لاغارد المدير العام لصندوق النقد الدولي، أن ديون السودان لا يمكن معالجتها برأي الخبراء الفنيين وموظفي البنك والصندوق، وإنما تحلها الاتصالات والتفاهمات السياسية بين السودان وأقطاب مهمة في الأسرة الدولية، وقيل يومها أن وزراء مالية بعض الدول الأوروبية مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا طلبوا من وزير المالية بدر الدين محمود ومحافظ بنك السودان السابق عبد الرحمن حسن، الوصول لاتفاق مع الجانب الأمريكي أولاً، ومن ثم فإن قضية الديون سيتم علاجها علاجاً نهائياً.
> وكانت الإشارات طيلة السنوات الماضية واضحة جداً، وكلها تؤدي إلى طريق واحد هو (روما) السياسة، ونلاحظ أنه بمجرد ما تواصلت الجهود المبذولة من اللجنة المختصة بالحوار مع الولايات المتحدة وبمساعدة الدول العربية الشقيقة في الخليج، لم تجد الإدارة الديمقراطية السابقة بالاتفاق مع فريق الرئيس ترامب آنذاك قبل دخوله البيت الابيض، بداً ولا ذريعة تبقي بها على العقوبات الأمريكية على البلاد، ويتبع ذلك بالطبع موضوع الديون الخارجية وهما موضوعان مرتبطان ارتباطاً عضوياً ببعضهما البعض، فتصريحات السيد الوزير أمس وإفاداته بشأن الرفع النهائي للعقوبات وحل مشكل الديون ينطلق كله من دائرة التفاهم السياسي، وهذه هي أهم قواعد اللعبة الدولية أن السياسة تتقدم وتقود العربة مهما كانت الاعتبارات الأخرى، وشيء آخر أن المنافع والمصالح المشتركة بين السودان والولايات المتحدة قد لا تكون بحجم كبير يغري الإدارة الأمريكية، لكنها تعلم وتعرف حجم الفرص ومستقبل الاستثمار في السودان إذا استقرت الأمور وهدأت الأوضاع وأُعطي السودان فرصة ليلتقط أنفاسه بعد سنوات الحرب العجاف وعشرين سنة من العقوبات الأمريكية والحصار، وسيكون من أهم البلدان في إفريقيا والمنطقة العربية التي لديها قدرة على تحقيق معدلات عالية من النمو والاستفادة من موارده الذاتية واستثمارات المستثمرين وتعاملاته التجارية الخارجية.
> ومن نافلة القول في موضوع الديون الإشارة إلى أن الكثيرين يجهلون الكيفية التي يُدار بها ملف الديون الخارجية بكل تعقيداته، فالملف ليس اقتصادياً صرفاً تتولاه وزارة المالية والبنك المركزي، فهو مهمة مشتركة بين وزارة الخارجية التي تتولى فيه التفاوض عبر إدارات متخصصة وعن طريق سفارتنا في واشنطون وعواصم غربية أخرى وفي البلدان الدائنة، بينما تقوم وزارة المالية بمتابعته وإدارة الحوار الفني والتقني المتعلق بفنيات إصلاح الاقتصاد وتصحيح مساراته وموافقته مع المعايير التي يعتمدها البنك وصندوق النقد الدوليين.
> ويتطلب هذا الملف صبراً ودراية ومعرفة دقيقة بالطريقة التي تتعامل بها المؤسسات الاقتصادية الدولية ونظمها وقوانينها ولوائحها واختصاصاتها، وترابط السياسة بما يدور فيها وما يترتب عليها من قرارات وسياسات، وإذا كنا قد فهمنا اللعبة الدولية وتعاملنا معها حتى الآن بقدر كبير من الكياسة والحذق، فإن النتائج المرجوة ستتحق لا محالة، وسيشهد السودان رفعاً كاملاً للعقوبات في يوليو المقبل في نهاية مهلة الأشهر الستة، ويتوقع أن يشهد إعفاءً للدين الخارجي كله، خاصة أن بعض الدول مثل الهند وروسيا ودول عربية خليجية أعفت أو ستعفي ديونها على بلادنا، فالخير القادم وفير وكثير.