الخميس، 24 آب/أغسطس 2017

board

اليوم العالمي لحرية الصحافة

احتفل الصحافيون في مشارق الأرض ومغاربها أمس باليوم العالمي لحرية الصحافة، وسط أجواء من الحيرة والحذر وبعض التفاؤلات الكسيرة، حيث لم يعد مفهوم حرية الصحافة كما كان ولا الاحتفال باليوم العالمي في الثالث من مايو من كل عام كما كان في عام 1993م

عندما أقرّ ذلك في (وينهوك) عاصمة ناميبيا، حيث جاءت المبادرة من إفريقيا والتقطتها المنظمات الدولية مثل اليونسكو واعتمدتها الأمم المتحدة، وصار هذا اليوم الثالث من مايو هو اليوم الذي تنتظم فيه الاحتفالات لإحياء قيمة الحرية الصحفية والدفاع عنها، وظلت الصحافة تواجه على طول تاريخها في كل مكان العسف والقهر والتسلط وقمع السلطات والرسمية والحكومات، ليس لسبب إلا لأن دورها ومهمتها كرقيب وإداة استنارة للمجتمعات تقوم بكشف المحجوب ونشر المستور وإطلاع الجمهور على المعلومات ووضعه في صورة ما يجري أمامه وحوله من وقائع وأحداث وتطورات.
التبس مفهوم حرية الصحافة في عقول الكثير من الجهات السلطوية في بلدان العالم المختلفة، بعضها يجعلها مشروطة ويجب أن تتوافق مع ما تريده الحكومات وتشتهيه الأنظم المتسلطة، والبعض يفهمها أنها ذات سقوف محددة لا تتجاوزها على الإطلاق، لكن يظل مفهوم الحرية لدى الصحافيين مفهوماً واحداً لا يقبل القسمة على اثنين، ولا يمكن تأويله وتفسيره، فالحرية الصحفية تكمن في استطاعة وقدرة الصحافة على أن تلعب دورها دون ترهيب أو ترغيب أو تخويف أو إغراء، وأن تمارس مهمتها ووظيفتها تجاه المجتمع كواحدة من أدواته دون أن تتعرض أو يتعرض الصحافيون لما يجعلهم غير قادرين على أداء عملهم أو الإيفاء بالتزامات المهنة وأشراطها.
 وباتت الصحافة في عالم اليوم في حاجة ماسة إلى تعريف مفهوم حرية الصحافة تعريفاً أشمل وأوسع يتفق مع المبادئ العامة للحقوق الإنسانية والعهود الدولية لحقوق الإنسان ومتطابقة مع القانون الدولي الإنساني، وأن تصان هذه الحرية بشكل جدي ومتزامن ومتكامل في كل أرجاء الدنيا وفي كل دول العالم، حتى نضمن لهذه المهنة بيئة عمل سليمة وآمنة تمكن ممتهنيها من القيام بأدوارهم كما ينبغي، فكثير من الانتهاكات التي تمارس ضد الصحافة وحريتها وراءها تردٍ مريع في البيئة السياسية للأنظمة الحاكمة، وتخلف متراجع في ترقية السلوك السياسي والاجتماعي للحكومات والأنظمة التي تستسهل القمع والقهر وتكميم الأفواه وإرعاب الأقلام وخصفها وإرهابها.
ولم تعد الصحافة بمفهومها الشامل مجرد مهنة لنشر المعلومات فقط، بل صارت من الأهمية بمكان أنه لا غنى عنها، فهي شريك في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وفي تطور المجتمعات، وفي عمليات نشر الوعي وصيانة الصالح العام، فلولاها لما تطورت السياسة وتجذَّرت الديمقراطيات، ولا حققت المجتمعات رفاهيتها أو ظلت تسعى نحو علياء الطموح والتطلعات الكبيرة، فالاستقرار السياسي والنهضة الاقتصادية والوعي الاجتماعي كلها أمور باتت مرتبطة بالتحديث والتطور في مجال الحرية الإعلامية والصحفية، فالصحافة المقروءة والمطبوعة والمسموعة والمرئية والمبثوثة عبر الإنترنت هي ملح الحياة وأوكسجينها، ولولاها لما استطاعت المجتمعات الإنسانية أن تنهض وتتقدم، فما تضطلع به الصحافة من دور لا يمكن تجاوزه أو إنكاره أو التخطي فوقه, وبنظرة عامة إلى وضع حرية الصحافة في العالم نجد أن عام 2016م شهد انتهاكات واسعة ضد الصحافيين وحرياتهم وحقوقهم، فقد قتل أكثر من (171) صحافياً حول العالم، وجرح المئات في مناطق النزاعات في عمليات استهداف مباشر، فضلاً عن وضع الصحافيين رهن الاعتقال وفي أقبية السجون في العديد  من الدول في عالمنا الفسيح، وتعتبر منطقتنا العربية أكثر مناطق العالم خطورة على الصحافيين، فسوريا والعراق واليمن وليبيا التي تدور فيها نزاعات مسلحة تصنف بأنها الأسوأ على مستوى العالم، وتعد مصر واحدة من أكثر الدول التي امتلأت سجونها بالصحافيين وأصحاب الرأي، وتعرض فيها صحافيون لأبشع وأقسى الأحكام القضائية المسيسة التي وصلت حد الإعدام والسجن مدى الحياة.  
 إن احتفالاتنا باليوم العالمي لحرية الصحافة، هي تأكيد على أهمية الكفاح المستمر من أجل هذه الحرية، وسيكون واقعنا السياسي والاجتماعي أفضل بكثير كلما تحقق تقدم ملموس في مجال حرية الصحافة، لأن الصحافة الحرة تستطيع توجيه الرأي العام نحو الأفضل، وتتيح فرصاً لا مناص منها في تناغم التعددية وصناعة مناخها العام.
ومن واجبنا بوصفنا صحافيين أن نحتفل بهذا اليوم، وأن نلتزم بأهم ما في الحرية من واجبات أن تكون حريتنا في حدود المسؤولية الأخلاقية والمهنية، وأن نوقف ونتجاوز كل أنواع التفلت والانفلات، ونقدم لمجتمعنا ما يفيد ولأوطاننا ما يجعلها تنجو من سوء المآل.