الأربعاء، 28 حزيران/يونيو 2017

board

مــــأزق السياســة

> ما يجري في الميدان السياسي هذه الأيام رغم حيويته الظاهرة، يحتاج الى تأمل ونظر دقيق، فليس كل نشاط حزبي موجباً في ذاته ونتائجه، خاصة إذا كانت مسألة المشاركة في السلطة ودخول الحكومة الهدف الأوحد الذي تسعى إليه الأحزاب التي تتنابح كما الجراء على عظم القته مخرجات الحوار،

فما يحرك الساحة السياسية هذه الأيام هو شهوة السلطة وبريق الصولجان ووهج السلطان، ويرافق ذلك سوء تقدير مريع في قراءة الواقع الماثل وهو يمثل مرحلة مفصلية في تاريخ السودان، ويظهر عجز الجميع وهم قادرون على انتشال الحركة السياسية من ورطتها ومأزقها وهي تمشي على الوحل والطين اللزج.
> أُتخمت الساحة السياسية خلال الأيام القليلة الماضية، بحركة فوَّارة وموَّارة انتظمت القوى السياسية والأحزاب الفاعلة وهي تدفع ثمن المشاركة السياسية في الحكم، وتكرع كأساً دهاقاً من التجاذبات والخلافات الداخلية والتناحر على أنصبة الوزارات الكراسي والفرص الذهبية التي لاحت لمن يريد الاستوزار، وهذه طبيعة السياسة في كل زمان مكان، عندما تغيب البرامج وتتفتت الولاءات وتنفتح منافذ للمطامع الذاتية، يتراءى بريق المغانم والمكاسب إن كانت السلطة واغتنامها مكسباً ومغنماً.
> من يعيب على أحزابنا تكالب قياداتها ورموزها على فتات السلطة، عليه أن يتذكر أن هذه الأحزاب لم تبن وجودها على رؤية فكرية وسياسية نظيفة.. نقية ... لامعة، فهي أحزاب تمثل مزيجاً من الرغبات الشهوات السلطوية وحب الذات والأضواء مقروناً بفضاء هلامي من الفراغ العريض الذي تعيش فيه هذه الأحزاب بخيالاتها البسيطة التي تصور لها أن الحزب هو مجرد وسيلة سهلة للوصول إلى الحكم إذا اتكأ على ساعد أصحاب السلطة الحقيقيين وتقرب منهم زلفى.
> فالعيب أن التنظيمات السياسية والقوى الحزبية نبتت وقامت وتكاثرت كالبتكريا، لتمثل مصالح أفراد لا برامج ورؤى وأفكاراً وسياسات، ولذا كثرت خلافاتها وفتافيتها، وضجت قطعها المتناثرة بضجيجها، فما نشهده اليوم من تكالب على السلطة ومغاضبات وتعقيدات أدت إلى تأخير إعلان الحكومة التي تمثل الحوار وشركاءه والوفاق الوطني وتجلياته، هو راجع في الأساس إلى هشاشة البنية  لحركتنا السياسية وأحزابها وانسداد الأفق أمام أكثرها، فهي ــ أي هذه الأحزاب ــ لا ترى أبعد من أخمص أقدامها ولا أقصى من طموح قياداتها، ويبدو كذلك أن المعايير التي وضعت في لجنة متابعة تنفيذ الحوار الوطني الوارثة للجنة (7+7) لم تكن دقيقة بما يكفي حتى تلجم هوى الأنفس والتنافس الداخلي الحزبي وعمليات الطعن في الظهر وتنقية الأحزاب من صراعاتها الداخلية، وهي سبب من أسباب تعطيل إشهار الحكومة الجديدة.
> البلاد تعيش مرحلة مهمة في تاريخها، فمن يتصدى للعمل السياسي عليه أن يتحلى بروح من المسؤولية الوطنية والقيم الأخلاقية في العمل السياسي، وما أبعد الأحزاب عن هذا الفضاء الواسع الذي لو تعاملنا وفق مقتضاه وشروطه لما وصلنا ونحن في بادية الطريق إلى التعسر والتعثر، وينبغي إذا ما تم تشكيل الحكومة وهدأت الأوضاع أن نفكر جميعاً وتصاغ مبادرة لإصلاح الشأن الحزبي في البلاد بوضع معايير وشروط جديدة صارمة وضابطة للعمل السياسي وقيام الأحزاب، فما نراه فوضى عارمة لا حد لها ولا نهاية، لا يمكن أن تكون هناك أحزاب لا ترى بالعين المجردة نسمع لها ضجيجاً في الساحة، أو نجد أحزاباً لا تمثل إلا الرجل الأول فيها، أو مجموعات جهوية وقبلية تحولت بقدرة قادر إلى تنظيمات سياسية وأحزاب تنافس في السلطة، وقد ظهرت لنا هذه الوطأة الغليظة الشديدة في التصارع والاحتراب الداخلي في الأحزاب إلى درجة إطلاق النار والتشابك بالأيدي والعنف اللفظي وحرب البيانات والتلاسن المسيء، لا بد من إطلاق مبادرة جديدة لتنقية الأجواء الحزبية ومعالجة الأدواء والأمراض السياسية التي لو تفاقمت لأنتجت مضاعفات جديدة يصعب بعدها العلاج.