الجمعة، 18 آب/أغسطس 2017

board

الصعود إلى الهاوية

> كما هو متوقع منذ فترة ليست بالقصيرة،  فقد أقال رئيس دولة جنوب السودان رئيس ركان الجيش الشعبي الفريق ملونق أوان الذي كان يعتبر نفسه الوريث الشرعي للحكم في الجنوب، وصاحب السطوة والبطش الذي لا ينافسه أحد،

وكانت الأنباء الرائجة من سنتين أو ثلاث حتى قبل أيام قلائل من قرار الإعفاء والإقالة، تشير إلى أن الرجلين يتربص كل منهما بالآخر، واستفاد سلفا كير من خبرته الاستخبارية وخبرته في العمل العسكري والسياسي، بأن اختار اللحظة المناسبة التي يركل فيها ملونق خارج الحلبة ويقصيه من المشهد تماماً وهو رجل الجيش الشعبي القوي كما يقال.
> وتفتح إقالة ملونق الباب أمام عدة احتمالات، ستكون دولة الجنوب فيها على كف عفريت، فإذا كان السيد سلفا كير قد ضرب ضربته بناءً على معلومات شبه مؤكدة تقول إن ملونق كان يجري ترتيباته على قدم وساق للتخلص من سلفا كير والانقلاب عليه والاستيلاء على الحكم، فإن رئيس الدولة تغدى برئيس هيئة أركان الجيش قبل أن تتاح لهذا المطرود من الخدمة العشاء برأس رئيسه، فإذا كان قد فعل ذلك فإنه يستطيع بسرعة احتواء أية ردود أفعال داخل الجيش الشعبي، وبإمكانه بناء تحالفات جديدة ووضع عناصر تدين له بالولاء في المراكز المهمة والحساسة داخل الجيش وتصفية آثار ملونق بسرعة، وهنا ستعود الأوضاع إلى طبيعتها بسرعة، لكن هذه الفرضية والاحتمال يمكن أن تضعف إذا صحت المعلومات بأن دولاً إقليمية في جوار دولة الجنوب خاصة يوغندا وكينيا ضالعة بشكل ما في تغذية الخلاف بين الرجلين، ومنها من يستمع ويساند ملونق ويؤيد انقلابه المحتمل أو المنتظر على سلفا كير، لكن على كل حال ورغم وجاهة هذا الرأي لا يمكن لملونق أن يقدم على هذه الخطوة ذات الكلفة العالية لو لم يجد تطمينات وموافقة من العواصم القريبة منه والمؤيدة له.
> الاحتمال الأرجح حدوثه هو وقوع انشقاقات داخل (مجلس الدينكا) وهو السلطة الحقيقية في دولة الجنوب التي تدير الأوضاع وتتحكم في القرار السياسي، وكان ملونق هو المنفذ الأول وبتعسف بالغ لقرارات هذا المجلس، ويرعى أعضاء مجلس الدينكا مصالح القبيلة السياسية والاقتصادية وسلطتها وسيطرتها على دولة الجنوب، فإقالة ملونق ستتسبب في شروخ لا حد لها في تماسك الدينكا ووحدتهم، فهناك من يؤيد ملونق ومن يقف وراء سلفا كير، وتوجد آراء واتجاهات متطرفة داخل مجلس الدينكا لا يمكن أن تقبل بإقالة ملونق، مثلما توجد مجموعات ترى أن ملونق سبب من أسباب النزاعات والصراعات في الدولة، وإقالته تفتح الباب أمام تسوية سياسية جديدة مع المعارضة بقيادة رياك مشار، وترى ضرورة حدوث مصالحة عاجلة مع بقية قبائل الجنوب والتحالف معها من جديد، مع ضمان تفوق الدينكا واستحواذهم على مراكز السلطة والقرار  في الدولة.
> الاحتمال الأكثر رجوحاً أيضاً، أنه في حال خروج ملونق بالكيفية التي أعفي بها في ظل وجود خلافات عميقة بينه وبين سلفا كير وطموحاته الشخصية في حكم الجنوب، فإنه بلا شك سيشكل معارضة جديدة وربما يتحالف مع مجموعات أخرى من أبناء دينكا بور ودينكا أويل وبعض من دينكا شمال بحر الغزال ودينكا أبيي، لمناهضة سلفا كير الذي استعان بأهله دينكا توج في صراعاته السابقة، وربما استعان بمجموعات أخرى من قبائل مختلفة لقيادة تيار معارض له تأثيره البالغ في الوضع المأزوم بالجنوب.
> وهناك احتمال آخر بأن اللحظة السياسية مواتية للسيد سلفا كير للتقدم خطوة تجاه المعارضة الجنوبية بقيادة مشار واستمالة مجموعات من النوير، وهؤلاء لديهم مرارات قاسية من ملونق، وكثير من القادة الجنوبيين والمراقبين الدوليين يحمِّلون ملونق مسؤولية فشل الاتفاقية التي أبرمت بين سلفا كير ومشار لتحقيق السلام في الجنوب، فلولا المواقف المتعنتة والكراهية التي يكنها ملونق لمشار وسعيه للتخلص منه وقيادته العملية العسكرية التي أخرجته من جوبا، لكان مشار موجوداً حتى اللحظة في بلده، ولتم تنفيذ اتفاقية السلام.
 (نواصل)