الإثنين، 18 كانون1/ديسمبر 2017

board

قبل الطوفان

> لا أحد يستطيع بسرعة أن يفهم ما يجري في المنطقة العربية، التي لم تتفق يوماً على شيء حتى هلال رمضان، فقبيل زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، كانت هناك توقعات وتكهنات كتبنا جزءاً منها هنا،

أشارت إلى أن هناك رمالاً متحركة ومواقف متبدلة لن يكون فيها العالم العربي كما هو ولا منطقتنا كما هي، ولم تمض أيام قليلة من القمة العربية الإسلامية الأمريكية والقمة الخليجية مع ترامب بالرياض، حتى تفجرت أزمة من لا شيء كادت تعصف بالتماسك والترابط الخليجي قبل أن تتمدد في العالم العربي .
> فما أن تم تهكير واختراق موقع وكالة الأنباء القطرية وتم تزييف وتزوير تصريحات نسبت لأمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، حتى قامت الدنيا ولم تقعد، رغم التوضيحات القطرية، وأعلنت الدوحة رسمياً أن ما نسب لأميرها محض افتراء وجريرة سيتم تعقبها وعقاب من فعلها .
> صحيح أن الوضع العربي الهش أصلاً، مثل برميل البارود ينتظر من يقدح زناده، وفيه من التعقيدات ما ينسف التماسك النسبي الراهن المتمثل في دول الخليج العربي التي حافظت على كيانها طيلة العقود الماضية، لكن مع أول هزة وزلزال عنيف تأرجح العماد الخليجي وكاد يتهاوى.
> والأمر كله وفي حقيقته مرتبط بالكامل بالتحولات الجارية في المنطقة وتطوراتها الراهنة والتقاطعات الاستراتيجية للاعبي اللعبة الدولية، ولعل هذه الضجة الكبرى هي نتاج زيارة الرئيس الأمريكي للمنطقة وما جرته وستجره عليها من ويلات إذا حاولت الولايات المتحدة التلاعب بمكونات الفضاء العربي رفعاً وخفضاً وتسييد الكيان الصهيوني بعد أن تم في الفترة الماضية إفراغ العالم العربي من قواه الحية وتدمير قدراته العسكرية في دول كبرى ومهمة، وشغله ىالحرب على الإرهاب وجعل دوامة العنف هي التي تظلل ارضه وتغطي سماءه .
> ومظهر آخر تراءى بقوة في الأزمة المتعلقة باختراق الموقع القطري، إن   مواقف الدول العربية وحكوماتها وحكامها، هي هي، الأحلاف القديمة لم تتغير، والمواقف وإن غطتها ضرورات ما يجري ظهرت سافرة أعادت كل إلى سربه، وظهرت الخلافات بين العواصم العربية على ما كانت عليه أصلاً قبيل عاصفة الحزم والحرب على الإرهاب !!
> وهذا يعني أن ما في الضمائر السياسية لأنظمة الحكم باقٍ، وأن جرى على اللسان في أوقات الأزمات من لغة تفاهم وتقارب ما أفاض حميمية سياسية مؤقتة، والدليل على ذلك أن الأحلاف القديمة بسرعة وجدت نفسها بقدرة قادر تلتئم وتتقارب، والأحلاف الجديدة تنفر وتتباعد!!
> ومنذ متى كانت المواقف تصنع لمجرد الكلام؟ فما نسب للأمير القطري كان يمكن تلافيه والتعاطي معه بسهولة عبر القنوات الرسمية والحدق والتريث الدبلوماسي الذي عرفت به عواصم الخليج خاصة الشقيقة الكبرى المملكة العربية السعودية التي عرف عنها التعقل والحكمة والتريث، لكن وسائل الإعلام في بعض هذه البلدان صبت الزيت على النار وكأن هناك ترتيباً مسبقاً وإعداداً جرى تصميمه للواقعة قبل وقوعها، وهذا وحده يقدح في صحة التصريحات التي نسبت لأمير قطر، وقصرت قطر في المقابل بتأخرها ساعات طويلة قبل أن تصدر بيانات النفي والتكذيب والكشف عن اختراق موقع وكالتها الرسمية للأنباء .
> ومن الطبيعي أن نشعر هنا في السودان بالقلق البالغ من تطورات المشهد العربي العام وانقساماته، فنحن جزء من تحالف كبير للدفاع عن الكيان العربي وبيضة الإسلام ومقدساته في حرب مفتوحة ضد الإرهاب، ويخوض جيشنا الباسل معارك عنيفة من أجل الشرعية في اليمن نصرةً للحق ودفاعاً عنه، فعندما يهتز هذا التحالف بهذه الكيفية التي نعايشها ونراها اليوم، فلا بد أن نقلق ونشعر بالانزعاج الكامل، لأن الخلافات إن توسعت وتفاقمت فعلى كل المنطقة السلام، فإذا كنا على علاقة جيدة بجميع الأطراف يجب أن نتحرك ونعمل من أجل الحفاظ على روح التماسك والإخاء، والحيلولة دون الانزلاق إلى مهالك التنازع والخصومات والخلافات، فالجسد العربي أضعف من أن يحتمل جائحة جديدة لأنه بلا مناعة وفقد كل صفائحه الدموية التي تقويه.
> مهما يكن فإن الأوضاع في منطقتنا العربية تتجه إلى حالة ضبابية كثيفة الدخان والغيوم وملبدة سماؤها بكل الاحتمالات، ولا ينفع أن نقف متفرجين، وعلينا دور يجب أن نلعبه .