الثلاثاء، 21 تشرين2/نوفمبر 2017

board

 و اعتذر الوزير ..

> لم يشدد العرب في جاهليتهم وإسلامهم ، وكذا جميع شعوب الأرض في كل زمان ومكان ، مثلما تشددوا في صون اللسان من الزلل والخطأ ، والوقوع في المحظور، و إطلاق الكلام على عواهنه ،

وجعله جزافاً مقبوحاً منكوراً.. فلسانك حصانك ، إن صنته ..صانك،  وإن خنته..  خانك، والمرء بأصغريه قلبه ولسانه ، وهو دائماً مخبوء تحت اللسان ، وأكثر خطايا بني آدم كما قال رسولنا الكريم (صلى الله عليه وسلم) في لسانه ، وحذَّر صلاوات الله وسلامه عليه من حصائد الألسن ،  ويحفظ التاريخ لسقراط أنه قال لأحد جلسائه من تلامذته « تحدث حتى أراك. «
>  بالأمس تناول السيد وزير الإعلام الدكتور أحمد بلال عثمان أمام لجنة الإعلام والاتصالات بالمجلس الوطني ، ما جاء في تصريحاته لوسائل الإعلام المصرية وفي مؤتمره أو محاضرته بمقر السفارة السودانية بالقاهرة ، وهي تصريحات قالها في القاهرة خلال مشاركته في اجتماعات وزراء الإعلام العرب ، وقدم تفسيره لما قاله واعتذر عن ما قاله، خاصة في ما يتعلق بقناة الجزيرة الفضائية او سد النهضة الإثيوبي او نكرانه للدعم المصري لحركات التمرد في دارفور ، وثارت جدالات واسعة حول ما قاله الوزير الذي لم يكن في حاجة أصلاً أن يضع نفسه في هذا الموقف ، لو صام وسكت عن الكلام المباح في القاهرة، وجعل رأيه وموقفه الشخصي في قضايا حساسة مخبوء تحت لسانه  اذا صانه .
> وحدة الانتقادات للسيد الوزير أن القضايا التي تحدث عنها سواء أكان حديثه محرفاً أم نُقل كما هو ، إنها جاءت صادمة ومنافية لموقف رسمي للحكومة ، وخالية من أي تقدير سياسي سليم . ومعلوم أن السياسة في تراثنا العربي تسمى علم الدهائيات ، فقضية سد النهضة واضحة ولم تكن في يوم من الأيام محل خلاف وتقاطع بين المسؤولين السودانيين ، خاصة أن موقف السودان بني على أسس علمية فنية ولعب السودان دوراً مهماً في تقريب وجهات النظر المصرية والإثيوبية وتم التوافق حتى اللحظة بين الدول الثلاث على ما عليه الوضع الآن ، فكل حديث جديد مهما كان ومن أية منصة صدر سيؤخذ بلا شك بعين الجدية والاعتبار من دولتي المنبع والمصب( إثيوبيا ومصر ) ، أما قضية دارفور والدعم المصري للحركات المتمردة لا نعتقد أن الوزير لا يعرف ولم يسمع ما قاله رئيس الجمهورية في هذا الصدد عقب معارك شمال شرق دارفور الأخيرة واستيلاء الجيش وقوات الدعم السريع على المدرعات المصرية والعربات المصفحة ، وأنه لا يعرف ما الذي حمله معه السيد وزير الخارجية في زيارته الشهيرة الى القاهرة وتسليمه الجانب المصري وخاصة رئيس مصر ملفاً يحتوي على كل المعلومات والتسجيلات الصوتية والوثائق والأدلة والبراهين التي تؤكد تورط القاهرة في دعم متمردي دارفور .
> في ما يتعلق بقناة الجزيرة. فتلك تقديرات الوزير ورأيه ، لكن من المستفيد من هذا الرأي وهل يدعم ما قاله موقف السودان الحالي من الأزمة الخليجية ..؟ ام حدث شيء مغاير عندما تم تجيير حديث الوزير ( السليم او المبتور ) لصالح أحد أطراف الأزمة ..؟
> لكن هل تبرير الوزير واعتذاره يكفي ..؟ لقد اعتبرت لجنة البرلمان المختصة أن اعتذاره يكفيها واقتنعت به ، لكن السيد الوزير يحتاج الى إقناع الرأي العام المحلي والخارجي الذي تنقال حديثه بصوته وعظمة لسانه وصورته ، بل قرأ رصد الصحافة المصرية والسودانية لما قاله في مؤتمره بالسفارة السودانية بالقاهرة وهي مهمةعسيرة تنتظر السيد الوزير ، والخلاف معه ليس في كونه قال رأياً شخصياً او بصفته الرسمية ، إنما في محتوى ما قال ومضمون ما ورد في الحديث وهو سياسي أذكى في محاولة وزن كلامه بميزان العام والخاص او إلباس الخاص رأياً والعام والرسمي رأياً آخر ، فلو كان رأيه الخاص على نقيض موقف الحكومة وهو جزء منها فتلك مصيبة ، فالحلفاء في الحكم والشركاء في المسؤولية تكون بينهم مشتركات واجبة وتقاربات لأزمة بحكم الاتفاق او الضرورة ، فلا يمكن أن تحمل قناعات ورؤى و آراء شخصية في مسائل بالغة الحساسية تتناقض مع تحالف حكومي أنت لسان حاله وناطقه الرسمي .
> أما اذا كان الوزير بالفعل كما قال وأكد بصورة قاطعة ،إن تصريحاته حرفت وبترت وحورت وأبعدت عن سياقاتها ومقاصدها ، فذلك درس بليغ تعلمه السيد الوزير الذي ينبغي ألا تخونه حصافته ونباهته السياسية في تحديد ما يقال في هذا الظرف الزماني الذي تعيشه المنطقة وتقاطعات السياسة في عالمنا العربي واختلاف الآراء والمواقف في الأزمة الخليجية فكل امرئ لابد أن يقدر في مشيه ولقدمه قبل الخطو موضعها ..
> ولسنا في حاجة للقول بأن الحكومة عليها عبء كبير في محو آثار هذه التصريحات فكلفتها عالية ولا يستطيع ولن يفلح أي عطار إصلاح ما أفسدته وأهمها صورة الحكومة وتناغم الشركاء فيها وإن كل أفعالها وأقوالها إنما تصدر عن قوس واحدة ...!